الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

نجيب وثورة يوليو

بسبب دوره فى حرب فلسطين، أصبح محمد نجيب موضع إعجاب واحترام الضباط الشباب بما فيهم الضباط الأحرار، وكان تنظيم الضباط الأحرار سرياً، وكانت الحركة فى حاجة إلى أن يرأسها أحد الضباط الكبار، حيث أنهم من أصحاب الرتب الصغيرة، فأبلغ عبد الحكيم عامر جمال عبد الناصر " لقد عثرت فى اللواء محمد نجيب على كنز عظيم "، وكان عبد الحكيم عامر أركان حرب اللواء الذي كان محمد نجيب يقوده. • دعاه جمال عبد الناصر إلى تنظيم الضباط الأحرار، وكان جمال عبد الناصر هو مؤسسه ورئيسه، ووافق على ذلك، ويؤكد زكريا محيى الدين أن " محمد نجيب انضم للحركة قبل قيام الثورة بستة أشهر ". • أراد الضباط الأحرار انتهاز فرصة حريق القاهرة فى ٢٦ يناير ١٩٥٢، للقيام بالثورة، حيث كانت تنتشر القوات المسلحة فى شوارع القاهرة، ولكن محمد نجيب حذرهم من العواقب الوخيمة لأي تحرك، قد تدفع بريطانيا للتدخل بحجة حماية الأمن وحماية أرواح الأجانب. • تسرب أمر التنظيم إلى الملك، فأرسل إلى حسين سرى رئيس الوزراء فى ٢ يوليه ١٩٥٢، رسالة طالب فيها من حيدر باشا " نقل (١٢) ضابطاً يتآمرون عليه فى ظرف خمسة أيام وإلا يطرد ". • تنامى لعلم محمد نجيب أن القبض عليهم أصبح قاب قوسين أو أدنى، خاصة بعد أن زاره اللواء أحمد فؤاد صادق وأخبره بأن السلطات ستقوم بالقبض عليه بتهمة تزعم تنظيم سرى داخل الجيش، كما استدعاه محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة، واتهمه بتحريض الضباط على الثورة، وفى ١٨ يوليه ١٩٥٢ قابل محمد نجيب د. محمد هاشم وزير الداخلية- زوج ابنة رئيس الحكومة -بناء على طلب الأخير الذي سأله عن أسباب تذمر الضباط وعرض عليه منصب وزير الحربية، رغم رفض الملك تعيينه " حتى لا يظهر عرابي رقم (٢) " على حد قول الملك، ولكن محمد نجيب فضل البقاء بالجيش، وأخطره د. محمد هاشم أن هناك لجنة من (١٢) شخص عرفت السلطات الحكومية ثمانية منهم. • إزاء هذا الموقف والمصير الذي ينتظر الضباط الأحرار طلب محمد نجيب من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ضرورة التحرك، واتفق معهما على أن تكون ساعة الصفر (٢١-٢٢ يوليه ١٩٥٢). • فى هذا الوقت اتصل اللواء على نجيب - شقيق محمد نجيب - وقائد حامية القاهرة به وأخطره بوجود مؤتمر لرئيس الأركان حسين فريد فى الساعة العاشرة مساءاً (٢٢ يوليه) فى مقر القيادة فى كوبري القبة، فأبلغ ذلك لجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، واقترح عليهما محاصرة مقر القيادة، وسيكون أول الحاضرين هناك، فطلب منه جمال عبد الناصر وعبد لحكيم عامر البقاء فى المنزل بجوار التليفون حتى يتم الاستيلاء عليها. • تؤكد الوثائق أن البكباشي (المقدم)، يوسف صديق قد قام بالتبكير بالهجوم على مبنى القيادة قبل الميعاد المحدد بساعة، بناء على تعليمات من اللواء محمد نجيب، وكان اليوزباشي (النقيب) زغلول عبد الرحمن، أحد رجال المقدم يوسف، هو همزة الوصل بين محمد نجيب ويوسف صديق. • بعد نجاح خطة الثورة اتصل جمال حماد باللواء محمد نجيب ليزف إليه نجاح العملية، حيث تم الاستيلاء على القيادة العامة، ومركز الاتصالات، وتحركت المدرعات ودخلت القاهرة، وانتقل اللواء محمد نجيب لمبنى القيادة العامة. • فى ٢٣ يوليه عام ١٩٥٢، أعلن أول بيان للثورة باسم اللواء / محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة ، وساعد على نجاح الثورة نصيحة الولايات المتحدة لبريطانيا بعدم التدخل العسكري ضد حركة الجيش، وأكد الملحق العسكري البريطاني للمتحدث الرسمي لمحمد نجيب " أن بريطانيا لن تتدخل عسكرياً بشرط الحفاظ على القانون والنظام ". • رقاه الملك فاروق فى ٢٣ يوليه ١٩٥٢م إلى رتبة الفريق، مع منحه مرتب وزير، ولكن محمد نجيب أعلن فى ٢٦ يوليه عن تنازله عن ذلك وظل برتبة اللواء. • سافر محمد نجيب للإسكندرية فى ٢٥ يوليه ليسلم إنذار تنازل الملك فاروق عن العرش إلى علي ماهر الذي اختاره الضباط الأحرار رئيساً للوزارة -وكلفه الملك بتشكيلها فى ٢٤ يوليه، ولكن زكريا محيى الدين- المكلف بحصار قصر الملك - طلب تأجيل هذه العملية لليوم التالي لإراحة الجنود بعد عناء السفر، وفى ٢٦ يوليه ١٩٥٢ قابل محمد نجيب ومعه جمال سالم وأنور السادات علي ماهر وسلمه الإنذار الموجه إلى الملك، وضرورة توقيعه على وثيقة التنازل عن العرش قبل الساعة الثانية عشر ظهراً، ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة مساءاً، والتنازل عن العرش للأمير أحمد فؤاد الثاني. • بعد الإطاحة بالملك فاروق واستقالة علي ماهر نتيجة للخلافات بينه وبين الضباط الأحرار، أصبح محمد نجيب رئيساً لمجلس قيادة الثورة وشكل وزارته الأولى فى ٨ سبتمبر عام ١٩٥٢، وتولى فيها منصب وزير الحربية والبحرية مع احتفاظه بالقيادة العامة للقوات المسلحة. • فى ٩ سبتمبر ١٩٥٢ صدر مرسوم بقانون (١٧٩) لسنة ١٩٥٢، بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، وأعلن محمد نجيب فى ١٠ من ديسمبر ١٩٥٢ أن هناك لجنة ستضع دستوراً جديداً (مرسوم ١٣ يناير ١٩٥٣)، وقام مجلس قيادة الثورة بحل الأحزاب السياسية (١٧ يناير ١٩٥٣)، ما عدا تنظيم الإخوان المسلمين، وأقام جمال عبد الناصر تنظيماً جديداً ليحل محل الأحزاب هو " هيئة التحرير ". • قرر مجلس قيادة الثورة إعلان قيام فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي فى ١٦ يناير ١٩٥٦، حتى يمكن إقامة نظام ديمقراطي سليم. • فى ١٨ يونيه ١٩٥٣ أصبح نظام الحكم فى مصر جمهورياً، وعين اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر، وبذلك تم إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي. • شكل وزارته الثانية (١٨ يونيه ١٩٥٣)، واحتفظ فيها بمنصب رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس قيادة الثورة. • أزمة فبراير ١٩٥٤: ترجع أسبابها إلى تجاهل أعضاء مجلس الثورة للواء محمد نجيب وعدم دعوته لحضور اجتماعاتهم، وكان محمد نجيب يريد ممارسة سلطاته التي كفلها له القانون، فقد كان يتم نقل الضباط بدون مشاورته، وامتنع بعض الوزراء على أداء اليمين القانونية أمامه، إلى جانب عدم تطبيق النظام الديمقراطي، وصدور قرارات الاعتقال وتشكيل المحاكم لتصفية خصوم الثورة، وتجاهله تماماً من جانب الوفد المصري أثناء المفاوضات بين مصر وبريطانيا بالرغم من رئاسته لهذا الوفد، لذلك فقد قدم استقالته فى ٢٣ فبراير ١٩٥٤. • انحاز سلاح الفرسان لمحمد نجيب، وكاد يحدث صدام بين الجيش بعضه والبعض، وطلب ضباط سلاح الفرسان - بعد ذهاب عبد الناصر إليهم - بعودة محمد نجيب، وتطبيق النظام الديمقراطي، فقرر مجلس قيادة الثورة رفض استقالة نجيب وعودته رئيساً للجمهورية فى ٢٧ فبراير ١٩٥٤. • شكّل محمد نجيب وزارته الثالثة فى ٨ مارس ١٩٥٤، وبذلك عاد قائداً لثورة الجيش ورئيساً للجمهورية ورئيساً للوزراء. • أزمة مارس ١٩٥٤: عقب عودة محمد نجيب للحكم قرر مجلس قيادة الثورة فى ٥ مارس عودة الأحزاب، وعودة البرلمان، وإلغاء الرقابة على الصحف، إلا أن عبد الناصر وزملائه كانوا يشعرون بشعبية محمد نجيب الجارفة ، خاصة اتصالاته مع القوى السياسية من وفديين وإخوان وشيوعيين ، خاصة بعد انطواء هذه القوى تحت عباءة الجبهة الوطنية التي دعمها سراً يوسف صديق (عضو مجلس قيادة الثورة السابق)، الذي طالب بتشكيل وزارة ائتلافية لتشرف على إجراء انتخابات جديدة، وقد واكب ذلك حدوث تحركات من جانب نقابة المحامين وجامعتي القاهرة وعين شمس للمطالبة بالديمقراطية. • فى اجتماع مجلس قيادة الثورة فى ٢٥ مارس ١٩٥٤ قرر إلغاء قرارات ٥ مارس والسماح بعودة الأحزاب، وانتخاب الجمعية التأسيسية انتخابا مباشراً، والتي تتولى انتخاب رئيس الجمهورية فور انعقادها، وحل مجلس قيادة الثورة فى ٢٤ يوليه ١٩٥٤، وتسليم البلاد لممثلي الأمة، إلا أن عبد الناصر نجح فى حشد بعض أسلحة الجيش ضد هذه المطالب بحجة أن ذلك يؤدى إلى ضياع نفوذهم، إلى جانب ذلك استخدم عبد الناصر أنصاره فى هيئة التحرير والنقابات العمالية لتنظيم مظاهرات شعبية لتأييده، وترديد الشعارات ضد عودة الديمقراطية، وانتهت هذه المأساة بالاعتداء على الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة، الذي كان يقف موقف التأييد من عودة الديمقراطية. • قرر مجلس الثورة فى ٢٩ مارس إرجاء تنفيذ قرارات ٢٥ مارس حتى نهاية فترة الانتقال (١٩٥٦)، وتشكيل مجلس استشاري ليمثل مختلف الطوائف، ثم أصدر مجلس قيادة الثورة قانوناً بموجبه " يحرم من الوظائف العامة ومن كافة الحقوق السياسية، وتولى مجالس إدارة النقابات والهيئات كل ما سبق أن تولى الوزارة فى الفترة (٦ فبراير ١٩٤٣-٢٣ يوليه ١٩٥٢)"، وبذلك تم التنكيل بأنصار محمد نجيب، كما تم حل نقابة الصحفيين. إعفائه من الرئاسة وتحديد إقامته انهزم محمد نجيب في معركة مارس 1954 والواقع أنها لم تكن خسارته فقط وإنما كانت خسارة لمسيرة الديمقراطية في وادي النيل، أصر نجيب علي الاستقالة لكن عبد الناصر عارض بشدة استقالة نجيب خشية أن تندلع مظاهرات مثلما حدث في فبراير 1954، ووافق محمد نجيب علي الاستمرار إنقاذا للبلاد من حرب أهلية ومحاولة إتمام الوحدة مع السودان. يوم 14 نوفمبر 1954 توجه محمد نجيب من بيته في شارع سعيد بحلمية الزيتون إلى مكتبه بقصر عابدين لاحظ عدم أداء ضباط البوليس الحربي التحية العسكرية، وعندما نزل من سيارته داخل القصر فوجئ بالصاغ حسين عرفة من البوليس الحربي ومعه ضابطان و10 جنود يحملون الرشاشات يحيطون به، فصرخ في وجه حسين عرفة طالبا منه الابتعاد حتي لا يتعرض جنوده للقتال مع جنود الحرس الجمهوري، فاستجاب له ضباط وجنود البوليس الحربي. لاحظ نجيب وجود ضابطين من البوليس الحربي يتبعانه أثناء صعوده إلي مكتبه نهرهما فقالا له إن لديهما أوامر بالدخول من الأميرالاي حسن كمال، كبير الياوران، فاتصل هاتفيا بجمال عبدالناصر ليشرح له ما حدث، فأجابه عبدالناصر بأنه سيرسل عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ليعالج الموقف بطريقته. وجاءه عبد الحكيم عامر وقال له في خجل «أن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئاسة الجمهورية فرد عليهم «أنا لا أستقيل الآن لأني بذلك سأصبح مسؤولا عن ضياع السودان أما أذا كان الأمر إقالة فمرحبا». وأقسم اللواء عبد الحكيم عامر أن إقامته في فيلا زينب الوكيل لن تزيد عن بضعة أيام ليعود بعدها إلي بيته، لكنه لم يخرج من الفيلا طوال 30 عاما. خرج محمد نجيب من مكتبه في هدوء وصمت حاملا المصحف مع حسن إبراهيم في سيارة إلي معتقل المرج. وحزن علي الطريقة التي خرج بها فلم تؤدي له التحية العسكرية ولم يطلق البروجي لتحيته، وقارن بين وداعه للملك فاروق الذي أطلق له 21 طلقة وبين طريقة وداعه.
مصطفى الابراشى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق