الخميس، 16 أغسطس، 2012

الكاتب والروائي يوسف زيدان‏:‏الفتنة الطائفيةصناعة حكومية وكانت تدار بطريقة مخابراتية خسيسة


ظلمه بتصنيفه في خانة من الخانات‏..‏ فهو ببساطة موسوعي المعرفة‏..‏ يسعي بدأب لاستكشاف المجهول في التاريخ والواقع‏..‏ سواء كان ذلك من خلال عمله كباحث في التراث او كروائي وأديب‏..‏ يشغله البحث عن دلالات الوقائع المختلفة‏



ولأن اللغة أداة اساسية من ادواته, نجده دائما شديد الحرص علي ضبط وتدقيق مفرداتها.. د.يوسف زيدان.. العاشق لمناجم التراث وفصوص النصوص, يصف القابض علي عقله في هذا الزمن بالقابض علي الجمر, في ظل حالة الاغواء الدائم للانجراف في حالة الخبل العام, حتي اضحي الاستمساك بالعقل مهمة شاقة.. عن أحوال مصر والمصريين.. دار هذا الحوار.. عله يكون نقطة ضوء نحن- بالتأكيد- في أمس الحاجة لها..
يري كثيرون ان ما تمر به مصر الآن لم تصادفه علي مدي تاريخها, ويقصد حالة الفوضي والارتباك والاحباط والتردي في مختلف مرافق الدولة, بما ينعدم معه أي أمل في الاصلاح.. هل تؤيد هذا الرأي؟
>> اولا لابد ان نعترف بأن حالة الاحباط العامة الحالية هي امر مبرر والدواعي اليه كثيرة, وهو أمر منطقي تماما في مجتمع كان قبل عام ونصف العام يتوهم ان الثورة سوف تغير مسار الامور في مصر, بل وفي المنطقة المحيطة بها, ثم ظهر ان الامور ازدادت سوءا, وبالتالي من الطبيعي ان يسود الاحباط العام. ولكن بخصوص سؤالك عما اذا كانت هذه الحالة قد مرت بمصر مثيلات لها, فالمؤكد ان مصر في تاريخها القديم والبعيد مرت بما هو اشد هولا وفظاعة مما يجري الآن, فالناس اليوم تشكو من انقطاع التيار الكهربائي لكنها لم تأكل جثث الميتين او لحوم الكلاب الضالة او القطط مثلما حدث في مصر في مرات كثيرة سابقة منها الشدة المستنصرية التي جرت في الزمن الفاطمي او المحنة الشديدة التي مرت بها مصر في العصر الايوبي, وكان المصريون فيها يشترون القطط والكلاب الضالة بمبالغ كبيرة ليأكلوها, ويستدعون الاطباء الي البيوت لذبحهم وأكلهم وكذلك يفعلون بالمتشردين, وهو ما حكاه شهود العيان من المؤرخين أمثال موفق النيل البغدادي في كتابه الافادة والاعتبار في الامور المشاهدة والحوادث المعاينة في ارض مصر.
ولكن الفارق بين هذه المحن الشديدة السابقة, وما نمر به الآن, هو ان الوقائع التاريخية ذات الوقع الشديد كانت تحدث لاسباب لا دخل للناس بها, فقد يتأخر الفيضان ويقل ماء النيل اعواما متتالية, فتقع المجاعات, او تنتشر الاوبئة فتعصف بالبلاد وتقتل نسبة كبيرة من السكان,يقال انها وصلت في بعض الحالات الي نصف عدد السكان, فمن ذلك الكوليرا والطاعون. لكن الانكي والاشد ايلاما في حالتنا اليوم هو انها لم تأت من سبب خارج عن ايدينا, فنحن المصريين سبب البلايا الحالية, فقد توقعنا ان الثورة تفعل بذاتها وكأنها المفتاح السحري لكل المشكلات من دون ان نزود انفسنا بالوعي اللازم لتطوير المسار الثوري. وقد تصارع كثيرون وتصارع الاكثرون لقطف ثمار الشجرة من قبل ان تتم زراعة الاشجار. كما طفا علي السطح المصري ركام من سفلة الناس الذين جري ظلمهم وتهميشهم في العقود الاخيرة, ثم وجدوا فجأة الفرصة قد أتت ليحصلوا علي ما يستطيعون تحصيله من فوائد تسمي بتسميات وهمية مثل حقي يا بلد, المطالب الفئوية, رفع الظلم, اسقاط اي نظام.. وغير ذلك من دعاوي يرفعهاالجهلة والسفلة والمغرضون
الا تري ان وصف السفلة قاس, ام ان له معني مغايرا عما هو متعارف عليه لدينا؟
المصريون كمثل اي جماعة انسانية, فيهم الصالح والطالح. والنسبة بين أولئك وهؤلاء تتفاوت من مجتمع الي اخر بحسب درجة التحضر والنزوع الانساني في هذا المجتمع او ذاك, ومابين أولئك وهؤلاء توجد نسبة من الناس المتوسطين ما بين طبقة الرواد والمخلصين والمبدعين في المجتمع وطبقة المجرمين والفاشلين والمصابين بالامراض الاجتماعية. واعتقد ان النسبة كانت في مصر عند قيام الثورة هي10% للافاضل و10% للاسافل, وما بينهما وهو80% من اواسط الناس الذين لا يمكن وصفهم بهذا او ذاك.
وقد اندلعت الثورة علي يد العشرة بالمائة الافاضل فاندفع وراءهم عدد كبير من النسبة الوسطي ثم قفز الاشرار علي المشهد العام. ومعروف ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة وبالتالي انسحب الاخيار من المشهد العام وانتشر الاشرار الذين وصفتهم بـالسفلة وهي علي كل حال كلمة فصيحة وقد وردت في الاحاديث النبوية الشريفة وفي كلام السيد المسيح والالفاظ في ذاتها لا تؤثم
> هذه النقطة تقودنا للسؤال عن مفهوم النخبة, اذ أصبحت كلمة نرددها دون ان نعي معناها, وعند كل ازمة نتساءل اين هي؟؟
>> كلمة النخبة التي اشتعلت مؤخرا وجرت علي الالسنة اراها ملتبسة ولا احد يحدد المفهوم الحقيقي لها. وهذا الاستعمال الفضفاض للكلمة يؤدي الي اضطراب كبير في الاذهان, فهل المراد بالنخبة هم قادة الرأي في المجتمع ام المقصود بها هم الاعلاميون والسياسيون؟ وهل يعتبر من النخبة كل من نبغ في مجال من المجالات ام كل مشهور؟
ان علينا اولا تحديد ما نقصده بكلمة النخبة, ثم محاسبة هؤلاء, فمثلا هناك نخبة مصرية تتمثل في العمال والفنيين والمهندسين والمديرين الذين كانوا عند قيام الثورة يعملون في قطاعات خدمية مثل الماء والكهرباء, فلم ينقطع التيار الكهربائي والمياه عن البيوت في اشد الايام اضطرابا. هؤلاء نخبة, ومن المفكرين والكتاب كثيرون مهدوا العقل الجمعي للثورة حين اطلقوا اغنيات الحرية في زمن القهر, وحاولوا ان يحافظوا علي الانسان في وقت كان فيه كل مصري يهان. هؤلاء نخبة, ومن المصريين فنانون ومبدعون وكتاب رفعوا اسم بلادهم عاليا امام العالم من دون ان ينهزموا امام الاحوال المتردية التي سادت البلاد قبل الثورة. هؤلاء نخبة. اذن هل نقول ان هؤلاء السابق ذكرهم مدانون في اي شيء, ام نقصد الذين انحرفوا بالمسار الثوري وضللوا الناس وسارعوا الي تحصيل المكاسب وجني الثمار في وقت كانت تقطف فيه الازهار وتجرف الارض؟ هؤلاء لابد ان نسميهم بأسمائهم, من غير مواربة ولا مخايلة تلحق بعموم النخبة في مصر. لان النخبة الحقيقية هي التي سوف تقود هذه البلاد لا محالة الي طريق الخروج من ازمتها الحالية, ولايجوز اطلاق الاتهامات العامة لتشكيك العوام فيهم وبالتالي رفض جمهور الناس لكل من كان منتسبا لها. بعبارة اخري لابد لنا من تحديد المقصود بكلامنا, هل نقصد النخبة الحاكمة, ام النخبة الفكرية, ام النخبة من رجال الاقتصاد.....
> هناك من يري ان المصريين اصبحوا خارج السيطرة.. يميلون بشكل ملحوظ الي الانفلات والتمرد علي كل نظام و سلطة و قانون.. هل سيصعب السيطرة علي المصريين من جديد؟
>> كان اطباؤنا القدامي يقولون ان الامراض تعالج بالضد. وقد كتبت كثيرا في ذلك خلال الشهور الماضية, والفكرة المحورية فيما قلته سابقا وما سوف اقوله دوما, هو ان الضد للضد دواء. بمعني ان الخروج علي النظام العام, علاجه الحزم الشديد. وشيوع الاضطراب علاجه الضبط وعدم التردد. وسأعطيك أمثلة لكي لا يصير الكلام نظريا:عندما بدأت عمليات تجريف الارض الزراعية والبناء عليها بدون ترخيص, لو كان قد تم اعتقال عدد محدود من الاوائل الذين قاموا بذلك ما كان هذا الفعل قد استشري في مصر. وكذلك الحال في المقاولين الذين انتحروا بشواهق العمائر المخالفة, التي أسميها المقابر, لانها قنابل موقوتة سوف تنفجر في وجوههنا عند أول زلزال, فتقضي علي حياة عشرات الآلاف من الابرياء, أمثال هؤلاء لابد من الحزم في مواجهتهم قبل ان يصير فعلهم هو الطبيعي والمعتاد في المجتمع, لان الانفلات يشجع مزيدا من الراغبين فيه, بينما الحزم يمنع الكثيرين من فعل ما قد يفكرون فيه من مخالفات. علي انني اري الحالة الحالية في مصر هي محض فترة مؤقتة لان الميزان لابد ان يعود للاعتدال, ولكن السؤال هو: متي؟.. والاجابة عندي هي ان ذلك مرهون بالوعي الجماعي الرشيد, وفي ضرورة قمع المنحرفين بلا هوادة, وفي إظهار النية الصادقة للارتقاء بالبلاد بعيدا عن تحصيل المنافع الجزئية لهذا الفرد او تلك الجماعة.
> كيف تري مواصفات الحاكم الذي تحتاج اليه مصر الان؟؟
>>المفروض ان مصر اليوم لديها حاكم منتخب. صحيح ان انتخابه تم في ظروف مضطربة, ونسبة نجاحه في الانتخابات كانت نسبة بسيطة, وهناك قلق كبير من التزامه المذهبي, لكنه في النهاية هو حاكم البلاد وله علي الناس حق الطاعة, ولهم عليه حق العمل للصالح العام وليس للمصالح الشخصية او الفوائد المذهبية للجماعة التي كان وربما لا يزال منتميا لها.
نحن لا نحاسب الحاكم الذي هو رئيس الجمهورية علي ايمانه او صلوته او طيبة قلبه, فهذه امور سوف يحاسبه الله عليها, وليس الناس, وسوف يكون حسابها يوم القيامة وليس في اليوم المائة لتوليه السلطة او في نهاية فترة هذه السلطة, وبالتالي علينا عدم الخلط بين الامور, بل من الواجب علينا الالتزام بقواعد العقد الاجتماعي بمفهومه السياسي والفلسفي الذي استقر منذ فترة في الدول المتقدمة.. وبالمناسبة, فلا سبيل لنا غير ذلك.
> كثيرا ما تصف ما يجري عي الساحة السياسية في مصر- وكان من بينها الانتخابات الرئاسية التي قاطعتها- بأنه وسيلة من وسائل الالهاء, او الشخاليل كما اطلقت عليها في احدي المرات.. الهاء عن ماذا ؟؟
>> بدأ مسلسل الالهاء بعد ايام قليلة من قيام ثورة يناير, فقد كانت الحادثة المسماة موقعة الجمل واحدة من حلقات هذا الالهاء, لانها تمت علي اساس إظهار ان المصريين مختلفون فيما بينهم ما بين جماعة ثائرة وجماعة رافضة للثورة, ولاتزال هذه الحلقة مستمرة حتي اليوم لان الذين قاموا بالتخطيط لهذه الحادثة, لم تتم محاكمتهم جميعا حتي الآن وفي ذلك ايضا الهاء جديد, مع ان امرا مثل هذا ينبغي حسمه منذ فترة طويلة ولا يجوز تعليل التأخير فيه بأن القضاء سيره بطيء او ان المتهم الفلاني لا تستطيع الشرطة ضبطه واحضاره لانه مختبئ في بيت احد القضاة, او مستتر عند اسرته القوية! فهل هذا القاضي اصلا يستخف بالقانون ثم يحكم به, وهل هذه الاسرة هي اقوي من الشرطة والجيش!
ثم توالت حلقات مسلسل الالهاء العام بطرح قضايا من نوع الدستور ام البرلمان وهو امر غريب وغير مفهوم, فما المانع منذ ذاك الوقت في ان نحذف مؤقتا المواد التي كان قد تم دسها علي الدستور ثم نشرع في اعداد دستور جديد في الوقت ذاته الذي نشرع فيه في تنقية المؤسسات من الفاسدين, وفي تأسيس قواعد المؤسسات العامة, وفي الاصلاح السياسي الذي تعد الانتخابات احد ادواته.. ان هذه كلها مسارات متوازية وليست متقاطعة, ولا يوجد ما يمنع ان يتخذ كل مسار طريقه من دون احداث هذا التقاطع بطرح المسألة علي الوعي العام في صيغة ما الذي يجب ان اولا ثم تكون النتيجة اننا لا نفعل شيئا جيدا لا أولا ولا أخيرا!
وقد جاءت الانتخابات الرئاسية في هذا السياق, وببساطة شديدة كانت مثل الاعلان عن وظيفة من دون تحديد المهام المطلوبة منها, والعجيب ان تقدم اليها متقدمون مرشحون, ومن هنا رأيت ان هذا الامر غير منطقي ولايجب المشاركة فيه, لأنه مجرد حلقة جديدة من مسلسل الالهاء. ولما جرت انتخابات الاعادة بين اثنين فقط رايت ان المقاطعة واجبة لكي لا يحصل احدهما علي نسبة ساحقة تخيل اليه انه المختار من غالبية الناس, لان تلك واحدة من مقدمات الاستبداد السياسي. ولكن عندما يعلم هذا الرئيس او ذاك انه جلس علي كرسيه علي هون فإن ذلك يكون لصالحه وصالح المحكومين ايضا لانه سيراعي ذلك دائما ويحسب له الف حساب.
مع احداث دهشور الاخيرة, يتجدد الحديث عن الاحتقان الطائفي, بصراحة هل لهذا الاحتقان وجود حقيقي ام ان الاعلام وطريقة نقله للخبر هو من يصور ذلك؟
قلت مرارا, وكتبت كثيرا, ان الفتنة الطائفية هي صناعة حكومية كانت تدار دوما بطريقة مخابراتية خسيسة, وقد تحدثت سابقا عن المماثلة ما بين مذبحة الاقصر التي جرت سنة1997 وحادثة كنيسة القديسين بالاسكندرية قبيل الثورة بأقل من شهر. كلتا الحادثتين جرت علي نسق واحد, مكشوف لمن يدقق فيه, ولكن الاعلام كان يأتي دوره تاليا لصناعة الفتنة ولاحقا عليها. بمعني ان الترويج للفتنة الطائفية وليس صناعتها كان المهمة الاضافية التي يقوم بها الاعلام. وسوف اعطيك مثالا فعليا لكي لا يكون الكلام نظريا وفضفاضا: في الايام الاولي للثورة انعدم تماما مفهوم الفتنة الطائفية ورأينا في حياتنا اليومية مظاهر كثيرة تؤكد كذب هذا الادعاء الذي كانت حكومات مبارك تقوم به. وفجأة اندلعت احداث الكشح وفجأة تصدر مشايخ بأعينهم المشهد العام باعتبارهم هم المصلحين في الارض, وفجأة صار لهؤلاء المشايخ أتباع وثقل سياسي, وفجأة اصبح للتيارات الدينية اليد العليا في المشهد السياسي العام! ان تأمل هذا المسار يدل علي ان الامر جري بعد الثورة علي النحو الذي كان يجري به قبلها, بمعني ان يتم تصنيع الفتنية الطائفية سياسيا, ثم يتم الترويج لها اعلاميا بتوجبه مكثف لانظار الناس اليها, ثم جني ثمار هذه الفتنة علي هيئة مكاسب سياسية في خاتمة المطاف. ومعروف ان هذا العجلة الجهنمية المسماة الفتنة الطائفية تكفي لها دفعات اولي يتم تصنيعها والترويج لها, ولاتلبث بعد ذلك أن تندفع لتحرق الاخضر واليابس بشكل ذاتي وتلقائي. لان العنف لابد أن يولد العنف, والاحتقان لا ينتهي الا بالانفجار, والاحداث الصغيرة اذا تلاحقت فسوف تصير مع الايام كبيرة.. وعلي هذا النحو تتعقد المشكلة, وسيتأزم الموقف حتي تنعدم السبل والحلول, ويصير كل جانب متخونقا في جانب العداء للطرف المقابل.. ثم يطل الهول الذي رأيناه قبل سنوات في الحرب الاهلية اللبنانية ونراه اليوم في العراق وسوف نراه غدا في سوريا.
وما السبيل حتي نتجنب الوصول لمرحلة الهول ؟
اول سبيل هو تشخيص هذا المرض, ومعرفة طبيعته و أسبابه ومساره حتي نفهم, والفهم جزء من العلاج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق