الخميس، 1 سبتمبر، 2011

هل ثورة‏25‏ يناير مصنوعة في الغرب؟

الصفحه الرئيسيه

د. محمد السيد سليم

لاحظت في الأسابيع الأخيرة تزايدا في الكتابات التي يدبجها بعض الكتاب التي تحاول أن تنسب ثورة‏52‏ يناير إلي قوي خارجية دبرت بليل تلك الثورة‏.‏

 فالشعب المصري في حركته الثورية الشاملة تحركه مجموعة من المنظمات المرتبطة بالخارج من خلال التدريب والتمويل‏.

ويسعي الغرب إلي تشجيع تلك النظرة حتي يبدو أنه لم يفقد السيطرة علي مقدرات العرب, وأن العرب حتي في حالة الثورة يظلون تابعين للغرب.

 فلا جديد تحت الشمس والمصريون قبل وبعد الثورة سواء في التبعية للغرب. بعبارة أخري, لافكاك من التبعية للغرب حتي ولو قمت بثورة شعبية.

ولنقدم عددا من النماذج علي مثل هذه الادعاءات. يقول الكاتب الأمريكي اندوجال إن الولايات المتحدة هي التي خططت كل عمليات تغيير الأنظمة ابتداء من مصر وصولا إلي سوريا واليمن والأردن وما بعدها فيما يسميه البعض التدمير الخلاق.

وقد قام بالدور الأكبر في تلك التغييرات البنتاجون, ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية وغيرهما من مؤسسات التفكير الأمريكية مثل مؤسسة رائد عبر عقود من الزمن.

 أما أحد اللواءات المصريين المتقاعدين فإنه يقول إن المؤسسات الأمريكية مثل مؤسسة رائد, والمركز الدولي لبحوث العولمة, وهيومان رايس واتش, وغيره هي التي حركت الثورات الملونة بما فيها ما أسماه ثورة اللوتس في مصر.

 والهدف هو تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير والذي يهدف إلي نشر الفوضي الخلاقة التي ستنشيء أنظمة سياسية ديمقراطية ضعيفة تدين بالولاء لأمريكا.

 ولتكون إسرائيل وحدها هي القوة الإقليمية العظمي في المنطقة. الهدف, كما يقول سيادته, هو إضعاف الدول العربية الكبري مما يسهل السيطرة عليها.

ويتم ذلك من خلال دعم المنشقين الالكترونيين وهو النشاط الذي يشرف عليه الإسرائيليون بمن فيهم شارانسكي. يضيف إن الولايات المتحدة قد خلقت ظروف الجهل والفقر والمرض في المنطقة العربية لتكون جاهزة لإشعال نار الثورات.

ويقول أحد الكتاب الصحفيين إن الرئيس الأمريكي أوباما أصدر أمرا رئاسيا لجميع الوكالات الأمريكية في أغسطس سنة0102 للاستعداد للتغيير في الأنظمة العربية, وأنه طلب من مساعديه طمأنة الشعوب بأن الولايات المتحدة تدعم الانفتاح السياسي.

كما كتب أحد الصحفيين بعنوان التدخل الأمريكي في مصر يقول إن تحت يده تقريرا حول المنظمات التي تتلقي تمويلا أمريكيا مباشرا وعددها123, وإن الولايات المتحدة لديها رؤية يتم تنفيذها علي الأرض

 وأن جزءا من تلك الرؤية هو دفع منظمات المجتمع المدني المصرية إلي تصفية رموز النظام السابق التي تعوق حركتهم.

 باختصار نحن إزاء سيناريوهات مصنوعة في الخارج, وليس لنا من دور في تلك السيناريوهات إلا التنفيذ الأعمي لمخططات خارجية هدفها الإضرار بنا.

والحق أن هذه التحليلات تفتقر إلي الأدلة التي تساندها, فضلا عن أنها تتنافي مع قواعد المنطق.

 فمن ناحية أولي, لم يحدث تاريخيا أن تدخلت القوي الغربية لدعم ثورات ديمقراطية في أي مكان, وإنما تدخلت لإنشاء أنظمة موالية لمصالحها. بل إن سجل الدول الغربية يشير إلي أنها تاريخيا تدخلت لفرض أنظمة استبدادية بالأساس.

 وقد كتب الصحفي الأمريكي تيم شوروك دراسة مطولة في مجلة آسيا- المحيط الهادي في العدد الصادر في11 يوليو الماضي يقارن فيه بين الأدوار الأمريكية في الثورة المصرية وفي الثورة الديمقراطية الكورية الجنوبية سنة1997.

 وكيف تدخلت الولايات المتحدة لإعطاء الجنرال شون دي ــ هوان الضوء الأخضر لسحق الحركة الديمقراطية الكورية, وذلك في ضوء الوثائق التي نشرت مؤخرا عن تلك الحركة.

وقبل ذلك, وبالتحديد سنة1966كانت الولايات المتحدة قد أعطت الجنرال سوهارتو الضوء الأخضر لسحق الحزب الشيوعي الاندونيسي وبناء دكتاتورية عسكرية استمرت حتي سنة1989م

من ناحية ثانية, فإنه يستحيل علي قوة خارجية مهما أوتيت من سطوة أن تحرك شعبا بأكمله في أي اتجاه, مالم يكن هذا الشعب راغبا في التحرك في هذا الاتجاه.

يمكن للقوي الخارجية أن تستثمر المشكلات الداخلية بل وأن تؤججها, ولكن الشعوب لاتتحرك إلا إذا توافرت لديها قناعة ذاتية قوية بضرورة التحرك.

 عند تلك النقطة يمكن للقوي الخارجية أن تتدخل للإسراع من وتيرة الثورة ولكنها أبدا لا تصنعها. كما أنها يمكن أن تتدخل لتعطيل الثورة ولكنها أبدا لاتوقفها.

من ناحية ثالثة, فإنه في حالة ثورة 25  يناير فإنه من الثابت أن الدول الغربية ظلت حتي اللحظات الأخيرة تساند نظام مبارك. فهيلاري كلينتون, وزيرة الخارجية الأمريكية, أعلنت مساندتها لمبارك بعد بدء تبلور ثورة الشباب المصري ضده.

 وقالت قولتها الشهيرة إن مبارك عمل الكثير من أجل شعبه. بل إن تحالف شباب25 يناير انتقد الوزيرة الأمريكية عندما زارت مصر بعد الثورة لتقاعس الولايات المتحدة عن دعم الثورة منذ البداية.

 ولايمكن أن ننسي قول الوزير الإسرائيلي السابق بن آليعازار أن مبارك كان كنزا استراتيجيا لإسرائيل. فهل تجرؤ قوة غربية علي التدخل للقضاء علي الكنز الذي تعتز به إسرائيل..

وهل يتصور أن يتدخل الغرب لإسقاط هذا النظام؟ أم أن الصحيح أن المصريين ثاروا احتجاجا علي هوان هذا النظام أمام القوي الخارجية؟

وهل من الصحيح أن الأنظمة الديمقراطية ستكون بالضرورة تابعة للغرب؟ أم أنها ستكون أكثر ارتباطا بشعوبها وتعبيرا عن مصالحها وليس عن مصالح الغرب كما كان يفعل النظام الاستبدادي؟

من ناحية أخري, فان ثورة25يناير أثبتت فشل المشروعات الخارجية للتغيير في الوطن العربي ابتداء من مشروع المشاركة الأوروبية المتوسطية وصولا إلي مشروع سياسة الجوار الأوربية إلي مشروع الشرق الأوسط الأكبر.

 ولعلنا نذكر قصة الكونسورتيوم الدولي للديمقراطية الذي كونته دول مجموعة الثماني في يونيو سنة2004 للإشراف علي تطبيق إجراءات دعم الديمقراطية في الوطن العربي وأنشأت من خلاله منتدي المستقبل الذي تشرف من خلاله الدول الأعضاء(عدا روسيا) علي عمليات دعم الديمقراطية .

حتي أن كل دولة أعطيت مهام محددة للاشراف علي تلك العمليات في دول عربية معينة, مع محاسبة الدول العربية بشكل دوري علي التقدم في هذا الشأن.

ولكن لم يسفر هذا الكونسورتيوم عن أي تقدم ديمقراطي في الوطن العربي لأنه بمجرد بدء تطبيق مبدأ الانتخابات الحرة في بعض الدول العربية تراجعت الدول الغربية عن مشروعاتها بعد أن بدا لها أن تلك الانتخابات قد أتت بالتيارات الإسلامية إلي البرلمانات.

وهكذا, تخلت الدول الغربية عن مشروعاتها الديمقراطية في الوطن العربي وتحولت إلي دعم الأنظمة الاستبدادية؟ فقد أثبتت تلك المشروعات أنها تتأسس علي افتراضات غير واقعية, أهمها ليست متصلة بأجندة الدول العربية وهمومها.

لايعني ذلك أن القوي الخارجية ليس لها تأثير علي ثورة25 يناير. فلاشك أنها سعت للتأثير علي الثورة بشكل يدفعها في اتجاه تحقيق مصالح القوي الغربية.

ويمكن أن نلمس هذا التأثير في محاولات اختطاف ثورة25 يناير وتوجيهها في اتجاه تحقيق مصالح القوي الكبري, وهو الأمر الذي نلمسه في تخصيص الولايات المتحدة مبالغ تصل إلي40 مليون دولار لدعم مايسمي بالعناصر الديمقراطية في مصر وتدريبهم في الخارج.

ولكن كل تلك المحاولات لاتعني أكثر من تكرار المحاولات الفاشلة لاستيعاب ثورة المصريين, ولاتعني أن المصريين تحركهم أموال الغرب.

المشكلة تكمن في الخلط بين الخطط الغربية وبين ثورة المصريين واعتبار أن تلك الخطط هي مصدر الثورات, وهو أمر بعيد عن الصحة.

 فليس من مصلحة الغرب إقامة نظام ديمقراطي في مصر, وليس معني أنه يضع خططا أننا نتحرك بناء علي تلك الخطط.

قليل من الاحترام لثورة المصريين ربما يكون مفيدا


*استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
جريدة الاهرام
اخبار مصر
اخبار العالم
انجازات مبارك
اخبار الفن
اخبار الرياضه
حوادث
تكنولوجيا
اسلاميات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق