الجمعة، 12 أغسطس، 2011

الغـرب والعـرب: دعـم الثـورات ونهـب الثـروات

الصفحه الرئيسيه

السؤال الأهم الآن: هل ان العرب هم المستفيدون فعلا من ثوراتهم. ألم يقل الثائر الأرجنتيني الشهير في كوبا تشي غيفارا إن «الثورة يطلقها مغامر، ويقودها بطل، ويستغلها انتهازي»؟

سامي كليب-صحف-الوسط التونسية:
"ناديا" شابة سورية تحلم بأن تصبح نجمة تلفزيونية. دفعها فقرها لهجرة قريتها «جبلة» الساحلية وجاءت تبحث عن لقمة عيش شريفة في دمشق. تعيش ناديا في غرفة شديدة التواضع، وتقطع كل يوم أكثر من ساعتين بالسيارة ذهاباً وإياباً إلى عملها. لم يحصنها انتماؤها إلى الطائفة العلوية ضد الفقر، وما كادت تبدأ بالخروج من تواضع الحال حتى بدأت تلملم حوائجها بحثاً عن مكان أكثر أمناً بعد أن تفاقمت مشاعر المذهبية في حيها.
"شادي" شاب سوري أشقر الشعر أزرق العينين. كل شيء في شكله وسحنته يوحي بأنه أوروبي الانتماء. يحلم هذا الفتى الحلبي بأن يصبح رجل أعمال ناجحاً. لم يجد في مدينته عملا يعيل منه عائلته، فجاء إلى دمشق يبحث عن لقمة عيش شريفة. «شادي» سني الطائفة لكن انتماءه إليها لم يحمه من الفقر رغم كل ما يقال عن رأس المال السني الكبير في مدينته حلب.
يتفق شادي وناديا على ضرورة إصلاح النظام. يعتقدان بأنهما ضحية الظلم الاقتصادي والإداري والاجتماعي. هما من الجيل الذي انتقل من الطفولة إلى المراهقة في العهد الحالي. أحبا الرئيس بشار الأسد وكرها النظام (شادي بدأ يغير رأيه بالأسد بعد تزايد الدم في الشوارع). تنحصر صورة حزب البعث في ذهنيهما بقيادات عجوزة هرمة، وخطابات مملة، وبهرجات حزبية وسيارات فخمة سوداء، وبانسلاخ عن لغة العصر.
حين بدأت الثورات العربية في تونس وسقط زين العابدين بن علي، هبَّت رياح الحرية على الوطن العربي (بل الأوطان العربية المفككة أصلا). لم يعتقد شادي وناديا بأن الرياح ستصل إلى سوريا. كان كل شيء ساكناً في هذا البلد ذي نظام الحزب الواحد منذ أكثر من 40 عاماً.
كان بشار الأسد يعزز الانفتاح الاقتصادي ويعد بانفتاح سياسي. حقق الاقتصاد قفزات جيدة، (انتقال إلى الليبرالية، انفتاح مصرفي كبير، السماح بتداول الدولار، تسهيل قوانين الاستثمار المحلي والخارجي، تشجيع السياحة... ذكر مثلا التقرير السنوي لصحيفة «لوموند» الفرنسية أن الناتج القومي الخام انتقل من 21،1 مليار يورو عام 2005 إلى 43،9 مليار يورو في عام 2010. أدت خصخصة القطاع المصرفي إلى انتعاش القطاع الخاص. تم فتح بورصة سوريا عام 2009. حققت السياحة 3،5 مليارات يورو فقط في الأشهر الأولى من عام 2010. وصلت تحويلات السوريين في الخارج إلى مليار يورو... ألخ.
انتعش الاقتصاد إذاً وبقيت السياسة بانتظار فرج لم يأت. بررت السلطات السورية طويلا تأخر الإصلاح بالهجمة والحصار اللذين تعرضت لهما سوريا في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، لا بل قبل ذلك بقليل منذ التمديد للرئيس اللبناني السابق إميل لحود وبداية التباعد، ثم التنافر، مع فرنسا.
اعتقد النظام السوري ان الانتعاش الاقتصادي سيغير الكثير من انماط التفكير السياسي ويمحو أحقاد التاريخ، لكن سرعان ما تبين منذ الشرارة الاولى في درعا، ان ابناء الأرياف هم في طليعة المتضررين من النموذج الاقتصادي المستورد. وتبين أيضاً ان الوجود الكثيف للقيادات البعثية وللبعثيين في تلك المناطق الريفية (درعا، إدلب، الرستن... وصولاً الى جسر الشغور ومحيطها) لم ينجح مطلقاً في إخماد شرارة الانتفاضة، لا بل لعله عززها نظراً للأحقاد الدفينة ضد النماذج القيادية البعثية العالقة في التاريخ والمصالح والفساد.
تسلح النظام بالانتعاش الاقتصادي، ولكنه تسلح أيضا بالالتفاف الشعبي حول بشار الأسد بعد خروج سوريا من لبنان، ثم في أعقاب انتصار المقاومة عام 2006 على إسرائيل. لم يعر انتباهاً كثيراً للحريات التي أنعشها الأسد نفسه حين شجَّع مثقفي وسياسيي «ربيع دمشق» على التعبير بحرية عن آرائهم قبل أن يزج بهم في السجون بتهم ضعيفة الإسناد.
كان لا بد اذاً ان تنتقل عدوى الثورات العربية الى سوريا. فهل اخطأ الأسد في التقييم حين استبعد احتمال وصول النموذجين التونسي والمصري إلى بلاده؟
ربما، ولكن الأكيد ان سوريا تشكل نموذجاً خاصاً في سياق الثورات العربية حيث تختلط عند تخومها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، بحيث يصبح النظام البعثي هدفاً سائغاً لكل الذين لم يستسيغوا دوره ومواقفه في السنوات القليلة الماضية، تماماً كما يصبح هدفاً لجيل من الشباب بات توقه إلى الحرية أقوى من كل التوقعات.
حاجات غربية وثورات عربية
كان شادي الشاب الحلبي السوري يحلم قبل فترة بأن يحصل على تأشيرة سفر إلى الخارج. خاطب عدداً من السفارات. لم يأته رد إيجابي. حين يتحدث اليوم عن تجربته المريرة تلك يضحك. يقول :«حسناً فعلوا بأنهم لم يعطوني تأشيرة، ألا ترى ان الغرب بات مفلساً».
لا شك انه من الظلم بمكان ان يقال عن الثورات العربية بأنها وليدة مؤامرة خارجية. هذا بحد ذاته جهل بطبيعة المجتمعات التي تحركت فيها الثورات ونجحت. يقول العالم الفرنسي ايمانويل تولد: إن الثورات في العالم نشأت حين صار نصف المجتمع متعلماً. حصل ذلك في فرنسا وبريطانيا وفي ايران وغيرها. ويقول ان المجتمعات العربية ثارت بعد ان بلغت النسبة نفسها، وبعد ان تقلص عدد الإنجاب الى نسبة ولدين او اقل في العائلة الواحدة، ذلك انه كلما تعلمت المرأة قلَّ الإنجاب وازداد الوعي. وكلما ازداد الوعي تضاعفت الرغبة في تحسين ظروف الحياة.
ولكن شيطان التفاصيل يدفع التحليل صوب أسباب خارجية كثيرة قد تخمد هذه الثورات قبل اكتمالها.
ومن التفاصيل مثلا، ان الثورات العربية جاءت بعد عامين على الانهيار الاقتصادي العالمي. وجاءت بعد ان بلغت المديونية الاميركية حدا لم يسبق له مثيل في حاضر أميركا. وتزامنت مع إفلاس اليونان، وأضواء اقتصادية حمراء مقلقة في اليابان، ومع خطر محدق بالبرتغال واسبانيا وايطاليا وبريطانيا وفرنسا وغيرها... وجاءت الثورات متزامنة مع الإعداد للانسحاب العسكري من العراق ومع العجز عن ضرب ايران، ومع ارتفاع موجهة الهجمات على القوات الغربية في افغانستان، والجدل الدائر في أميركا وفرنسا حول انسحاب مبكر لهذه القوات ولو على مراحل. وجاءت الثورات ايضا خصوصا بعد ثورة معلوماتية هائلة وشبكات تواصل اجتماعي اقامت جسورا بين القارات الخمس من دون حاجة الى إذن او تأشيرة.
بدا العالم اذاً منذ عام 2008 بحاجة اكثر من أي وقت مضى الى مصادر رزق وثروات زراعية وحيوانية ونفطية كثيرة. وصل عدد سكان العالم عام 2009 الى 6،8 مليارات نسمة، منهم 3،9 في آسيا ومليار في افريقيا وحوالى 0،6 مليار في أوروبا، وسوف يتواصل ارتفاع عدد سكان العالم ليتخطى 9 مليارات في القرن الحالي بينهم 7،5 مليارات في الدول النامية وفق إحصائيات الأمم المتحدة.
تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن العالم بحاجة إلى مضاعفة إنتاجه الغذائي مرتين قبل عام 2050، على أن يتضاعف هذا الإنتاج 5 مرات في أفريقيا، بينما تؤكد منظمة التغذية العالمية «الفاو» ضرورة رفع الانتاج بنسبة 70 في المئة. لا بد اذا من إعداد العالم لهيمنة غربية جديدة بغية توفير المواد الغذائية والنفط من خيرات العالمين العربي والافريقي الى الغرب عبر احتلالات مباشرة، او هيمنة عسكرية وسياسية، او اتفاقيات مجحفة دائماً بحق الجنوب.
يشار مثلا الى أن مساحة الاراضي الزراعية التي تم التنافس عليها دولياً بين عامي 2005 و2008، خصوصا في افريقيا، بلغت حوالى 20 مليون هكتار. اشترت الصين 3 ملايين هكتار في الكونغو الديموقراطية لتطوير صناعة زيوت النخيل، واشترت كوريا الجنوبية ودولة الإمارات ومصر ما يقارب 1،5 مليون هكتار في السودان.
سنفهم جلياً اذاً أحد اسباب تقسيم السودان، فهذا البلد الأفريقي الشاسع المتعدد الأعراق والعربي الانتماء بات منذ سنوات ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة والصين. سارعت بكين إلى الإفادة من خروج الشركات النفطية الأميركية منذ عام 1995. خصصت مليارات الدولارات لهذا القطاع. سرعان ما قاربت حصتها نصف نفط السودان. حاولت واشنطن قطع الطريق على الصين. احتلت المرتبة الأولى في تقديم المعونات للسودان حتى في أوج الخلاف (أكثر من 6 مليارات دولار منذ اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005). تبين لاحقا أن الهدف هو إغراء الخرطوم بالانفصال عن الجنوب.
الجنوب مهم نفطياً، أكثر من ثلثي النفط السوداني يستخرج من هناك، ولكنه مهم أيضا للثروة الزراعية والحيوانية. هناك ثروة هائلة ستضيع عبر السنوات وسط جشع الغرب وما سينتج من فساد بين أطراف الجنوب. والسودان هو هدف غذائي هائل للعالم. فيه 84 مليون هكتار قابلة للزراعة من أصل حوالى 250 مليون هكتار هي مساحة البلاد. لا يستغل من هذه المساحة الزراعية سوى ما يقارب 19 مليون هكتار. أي أن ثلثي المساحة القابلة للزراعة لم تستغل بعد، وهي تساوي بمساحتها تقريباً المساحة المزروعة في كامل الوطن العربي.
لم يحسن العرب استغلال ذاك المخزون الهائل. ثمة إحصاءات دقيقة تؤكد ان في الوطن العربي 85 مليون عامل، لكن القوة العاملة الزراعية لم تتخط 26 مليونا. بينما تقتصر مساهمة القطاع الزراعي في الناتج القومي العربي العام على 80 مليار دولار من إجمالي 705 مليارات. والعرب بالتالي يستوردون القمح والسكر والارز ومجمل الحبوب.
هم يستوردون أيضا اللحوم الغربية بينما في السودان ثروة زراعية وحيوانية هائلة. 24 مليون هكتار من المراعي. 64 مليون هكتار من الغابات. مصادر مياه وفيرة ومتعددة. ويحتل السودان المرتبة السادسة عالمياً والاولى عربياً لجهة الثروة الحيوانية. أكثر من 128 مليون رأس ماشية (37 مليوناً من الابقار، و38 مليوناً من الماعز و46 مليوناً من الاغنام، و3 ملايين من الإبل و 4 ملايين حصان او من فصيلة الخيول.
نفهم الآن كيف ان رجال اعمل اميركيين، وفي مقدمهم مثلا المصرفي المتقاعد فيليب هالبيرج، يسارع الى شراء 400 ألف فدان في الجنوب حتى قبل ان ينقسم. أي انه اشترى مساحة تزيد على مساحة إمارة دبي.
التنافس الصيني- الغربي
كان لا بد من تقسيم السودان لوضع اليد على خيرات البلاد انطلاقاً من جنوبه. سرَّع الغرب الخطى حين اكتشف فجأة ان الصين باتت سيدة أفريقيا او تكاد. اكتشف العالم ان الصين باتت القوة الاقتصادية الثانية في العالم وقد تصبح الاولى. تخطى انتاجها القومي الهام كل انتاج منطقة اليورو. نموها الاقتصادي فاق 3 مرات نظيره الأميركي. نسبة الناتج القومي الخام باتت 11 في المئة عالميا، بينما كانت تقتصر على 5 في المئة في مطلع السبعينيات. صارت المصدِّر الاول عالمياً. انتجت 40 في المئة من الاسمنت والحديد على مستوى العالم في الاعوام الماضية. تضاعف انتاجها الصناعي مرات منذ عام 2002. عقدت تحالفات استثمارية واقتصادية هائلة مع افريقيا وهي تقود دبلوماسية هادئة اكثر، ولكن حازمة، حين يتعلق الامر بمجلس الامن الدولي.
ولأن من يصنِّع سيكون بحاجة أكبر للطاقة، كان لا بد من التوجه إلى الدول العربية وإيران. ثمة دراسات جادة تؤكد ان احد أسباب الحرب الأميركية- البريطانية على العراق كان الحؤول دون تمدد الأخطبوط الصيني صوب مناطق النفوذ الأميركية. ودراسات أخرى تشير إلى أن السبب الرئيس خلف دفع السعودية والكويت ودول أخرى لرفع إنتاجها خارج منظمة «اوبك» هو التأثير السلبي على إيران. وقد كشفت وثائق «ويكيليكس» الشهيرة كيف أن أميركا حاولت الضغط على وزير النفط السعودي علي النعيمي قبل سنوات لإقناع الرياض برفع تصديرها النفطي للصين، بغية تخفيف الاعتماد الصيني على النفط الإيراني لخنق طهران اقتصادياً.
أمام هذا المارد الصيني القادم من تحت الرماد. تبين أن العالم صار في مواجهة قوة مهددة (رغم طبيعتها المسالمة على المستوى الدولي). صار المصرف المركزي الصيني قادراً على إنقاذ أميركا نفسها من أزمتها المالية منذ عام 2008. وصارت الصين تملك قدرة هائلة على التلاعب بالدولار لو شاءت (ولكن ذلك قد يرتد سلباً عليها أيضاًُ).
لا بد اذا من استعادة مراكز النفوذ. لا بد من البحث عن وسائل جديدة للإبقاء على السيطرة على خيرات العرب وأفريقيا من جهة، وتجديد مفاعيل القوة السابقة. كان المرشح الأميركي السابق للرئاسة آل غور في طليعة المسؤولين الأميركيين الذين حذروا من مستقبل الأزمة الغذائية على مستوى العالم. قال عام 2009 «إننا نواجه فعلياً خطر اللاعودة في مجال المجاعة من الآن وحتى 10 سنوات». صدر تحذير آخر من «نادي روما» جاء فيه «أن الإدارة المأساوية لثروات الأرض قد تؤدي إلى مراجعة عميقة لتصرفات البشر وللبنى الاجتماعية الحالية برمتها».
تعددت نواقيس الخطر. أطل شبح الازمة ابتداءً من مطلع عام 2008. تضاعفت اسعار القمح والذرة والارز التي تمثل ثلثي الغذاء العالمي ليصل ثمن الطن الواحد الى 400 دولار. قال وزير الخارجية الايطالي آنذاك انه لا بد من وضع «آلية دولية لإنشاء مستودعات استراتيجية لمواجهة أحوال الطوارئ الغذائية».
ظهرت مشكلة اميركية وغربية كبيرة منذ الازمة المالية العالمية. تبين لاحقا ان الاقتصاديات الغربية مرشحة لاهتزازات كبيرة. المديونية الاميركية (أكثر من 14 تريليون دولار) شكلت سابقة خطيرة. أفلست اليونان. خيم شبح الافلاس على اسبانيا والبرتغال. تمددت الازمة صوب بريطانيا وايطاليا وفرنسا. (المضحك ان هذه الدول المفلسة هي التي سارعت للتبرع لمصر وتونس بعد ثورتهما، ولكننا سنكتشف ان ثلث هذه المساعدة مفروضة على دول الخليج، خصوصا ان مصر تقبع تحت مديونية تصل الى 35 مليار دولار وتونس الى اكثر من 22 مليار دولار).
البحث عن مصادر مال وطاقة وغذاء اصبح اولوية في سياسات الدول الكبرى. القلق كبير، ذلك ان المصادر السابقة، وبينها ما هو قائم منذ عقود طويلة في الخليج، باتت مهددة بسبب الهزيمة الاميركية في العراق وما خلفته من مصائب هناك من جهة، وتحول إيران من دولة مدافعة عن نفسها الى لاعب اقليمي كبير مستقبلا في العراق وغيره. لعلنا نفهم الآن وأكثر من أي وقت مضى أسباب التهييج الدبلوماسي العربي والخليجي والدولي الكبير ضد إيران تارة بذريعة الخوف من القنبلة النووية، وتارة أخرى لأسباب تتعلق بالمد الشيعي او الفارسي وغيرها.
ليبيا مثال لنهب الثروات
بعد سقوط الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، ارتفع منسوب القلق الأميركي إلى أقصاه. نحن أمام سقوط حليفين تاريخيين، وأمام خطر فعلي على النفوذ الأميركي والغربي في منطقتين استراتيجيتين. تلقفت أميركا وفرنسا الصدمة. سعتا للتغطية على أخطائهما في دعم الرئيسين. قدمتا نفسيهما على أنهما في طليعة قادة التحرير العربي في ربيع قد لا يستفيد العرب من خيراته، ما لم يحسنوا فهم ما يجري حالياً.
لم تكن الثورة في ليبيا داخلة في حسابات الاستراتيجيين الغربيين (تماما كتونس). الدولة التي تم اكتشاف أول بئر نفطي فيها عام 1959 وصدَّرت باكورة نفطها عام 1961، وعرفت انقلاب العقيد معمر القذافي عام 1969، كانت خرجت من قائمة الدول الإرهابية وصارت موضع ترحيب في الغرب. رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني يقبل يد القذافي. تعترف ايطاليا بخطئها الاستعماري. ينصب القذافي خيمته في قصر الاليزيه. تعتذر سويسرا له. تفرش بريطانيا سجادها الأحمر لاستقباله. تغض الطرف عن «لوكربي» مقابل صفقة نفطية لشركة «بريتش بتروليوم» في أعماق السواحل الليبية الغربية.
لا بد من النظر إلى المخزون النفطي الهائل لنفهم سبب الغرام الغربي المستجد بالقذافي قبيل محاولة الإطاحة به أو قتله. ليبيا هي ثالث منتج أفريقي للنفط مع احتياطي يصل إلى حوالى 42 مليار برميل. هي رابع منتج أفريقي للغاز الطبيعي مع احتياطي يتخطى 1500 مليار متر مكعب، وكانت ثمة توقعات بأن يرتفع الاحتياطي إلى أكثر من 3،2 مليار متر مكعب. بلغت إيراداتها النفطية 35 مليار دولار في العام الماضي نتيجة بيع 1،474 مليون برميل وكانت تعتزم رفع نسبة التصدير إلى 2،9 مليون برميل يوميا. ما كاد وزير النفط ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبي شكري غانم يؤكد قبل أشهر قليلة بأن ليبيا ستنفق 6 مليارات دولار لزيادة إنتاجها، حتى كانت طائرات حلف شمال الأطلسي تتقدم صوب الشواطئ الليبية وترمي قنابلها على العقيد وترمي حبَّها المستجد على الثوار. لا بأس بأن يكون الإخوان المسلمون على رأس المجلس الانتقالي. لا بأس أن تكون فرنسا العلمانية رأس حربة تلك الحملة العسكرية. ولا بأس أن يكون الفيلسوف اليهودي برنار هنري ليفي في طليعة من ذهب للقاء القادة الإخوانيين لثوار ليبيا.
وفي الحديث عن برنار هنري ليفي، الذي فاض حبه اليوم لثوار سوريا تحت شعار مؤتمر «أنقذوا سوريا»، يجب التذكير بدوره في إيصال السودان إلى مرحلة التقسيم عبر لوبي يهودي امتد من أميركا إلى فرنسا تحت شعار «أنقذوا دارفور»، ثم ذهب للعب الورقة نفسها في ليبيا بعد سنوات من رحلته إلى أفغانستان دعماً لشاه مسعود. كنا سنصدق فائض مشاعره الثورية الجياشة لو أنه قال كلمة واحدة لنصرة فلسطين بدلاً من دعمه المطلق للسياسة الإسرائيلية. (لعل قراءة كتاب الباحث الفرنسي بيار بيان بعنوان «مجازر» سيضيء الكثير على دور ذاك اللوبي وبرنار هنري ليفي نفسه).
وفي العودة إلى النفط الليبي، هل ننسى أن 85 في المئة من صادرات الطاقة الليبية تذهب إلى أوروبا، وخصوصا إلى ايطاليا ثم ألمانيا وفرنسا والصين؟. هل يعقل أن يتمدد الأخطبوط الصيني إلى ليبيا بعد أن بلغت التجارة بين الجانبين مستوى عالياً، وبعد أن زرعت الصين في أفريقيا العزيزة على قلب القذافي «ملك ملوك أفريقيا» 5 ملايين صيني بين مدرب وفني وعامل؟.
لم يخف رئيس الوزراء الصيني في خلال منتدى التعاون الصيني - الأفريقي في أديس أبابا عام 2003 عامل التنافس مع الأميركيين. قال علانية: «إن هدف التعاون مع أفريقيا هو مناهضة الهيمنة الأميركية، ذلك إن هذه الهيمنة بدأت تبرز وجهها القبيح». قال ذلك فيما كانت الاستثمارات الصينية في السودان وحده قد فاقت 20 مليار دولار. فتحت واشنطن عينيها واسعتين.
أفريقيا مهمة لأميركا. تريدها قاعدة لمكافحة الإرهاب وقاعدة لنفوذها السياسي والعسكري. وتريد منها خيراتها وتريدها سوقاً لبضائعها. كان لا بد إذاً من اللجوء، على جري عادة الكاوبوي، الى القوة العسكرية. أنشأت واشنطن القيادة الأفريقية المسلحة (افريكوم). بحث حلف شمال الأطلسي معاهدة شراكة عسكرية مع الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. صارت واشنطن قادرة على تحريك قوات افريقية في صراعات القارة. (قريباً قوات اثيوبية في المناطق الحدودية السودانية بين الشمال والجنوب).
كانت أحلام القذافي في أفريقيا قد بلغت حداً غير مقبول غربياً. جاءت الثورة في بلاده فتلقفها الغرب بغية تحقيق أهداف عديدة تبدأ بإنهاء أسطورة القذافي، وتصل إلى نهب الثروة الليبية بامتياز.
الإخوان المسلمون حلفاء مؤقتون
تدرك واشنطن ان تيار جماعة الإخوان المسلمين في الوطن العربي هو القوة الوحيدة المنظمة وعابرة الحدود. لا يمكن التفكير بإقامة تحالفات مع هذا الوطن من دونهم. ذهب تيار في الإدارة الأميركية منذ عهد الرئيس السابق جورج بوش يقول بضرورة التحاور معهم. كان النموذج الاخواني التركي، عبر حزب العدالة والتنمية، يوحي بإمكانية تمدد التحالف صوب العالم العربي. كشفت وثائق «ويكيليكس» أن الحكومة الأميركية كانت تعمل مع «الإخوان» والمعارضة منذ فترة طويلة. تبين أن قطر أيضا ترعى بقوة هذا التيار وتساعده سياسيا وماليا تماما كما تفعل أطراف في السعودية والكويت. ولعل بول بريمر قد بارك العلاقة مع «الإخوان»، ذلك أن تجربته معهم في العراق كانت أكثر من ممتازة.
إن نظرة سريعة لواقع العرب بعد الثورات أعطى ذاك التيار الأميركي مبررات فتح الخطوط واسعة مع «الإخوان». في تونس صارت حركة النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوشي قوة ملحوظة. في مصر تم التأسيس لمرحلة مقبلة قوية بين «الإخوان» ذوي الشعبية والمجلس العسكري. حصل ذلك بمباركة أميركية. في اليمن لم يترنح عرش الرئيس علي عبد الله صالح من دون الوجوه الاخوانية أو الإسلامية من الشيخ حميد الأحمر مروراً باللواء علي محسن الأحمر وصولا إلى حزب الإصلاح والشيخ عبد المجيد الزنداني.
في أواخر عام 2007 قدم الأكاديمي الأميركي مارك لينش 4 نصائح للإخوان المسلمين لكي يصبحوا مقبولين غربياً: الالتزام الواضح بالديموقراطية، تطابق تصريحات قادة الإخوان بين النص العربي والنص الانكليزي بحيث لا يكون لهم خطابان مختلفان، التركيز على العمل كقوة إسلام معتدل ومعاد للإرهاب، تعزيز الديموقراطية الداخلية التي تسمح لشباب جماعة الإخوان بالتعبير عن مناخ جديد من الحرية في الآراء السياسية.
لو وضعنا دراسة للخطاب الإخواني منذ بداية الثورات العربية، سنجد التزاما واضحا بهذه النقاط. أصبح المراقب العام للإخوان السوريين رياض الشقفة يتحدث بلغة ديموقراطية انفتاحية لافتة. بات محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة (حزب الإخوان في مصر) يقول علانية «إن الجماعة تريد برلمانا متنوعا بعد انتخابات أيلول المقبل ولا تسعى لفرض الشريعة، وان الحزب كما الجماعة يدعون إلى دولة مدنية». أفسح «حزب الحرية والعدالة» المجال لدخول 93 مسيحيا قبطيا إلى صفوفه، وبينهم النائب الثاني لرئيس الحزب. ذهب الشيخ راشد الغنوشي إلى حد التأكيد بان حزبه لن يمنع مايوه البكيني لو وصل إلى السلطة.
من الصعب التسليم بان الانفتاح الأميركي الكبير على «الإخوان»، جاء نتيجة حب فجائي. أدركت أميركا أن دخولها إلى الوطن العربي يجب أن يتم عبر قوة قادرة على التأثير فعلياً على الشارع. لم تعد الجيوش العربية قادرة وحدها على مخاطبة الملايين. لا يوجد في هذا الشارع العربي قوة أكثر تنظيما وتأثيرا من «الإخوان». ثمة اعتقاد بان هذا التحالف الأميركي- الاخواني قد يمتد إلى سوريا، برعاية تركيا، لو ساءت الأوضاع أكثر.
لكن لهذا التحالف الأميركي الاخواني حدودا. يعتقد بعض الاستراتيجيين الأميركيين أن المطلوب هو تمرير المرحلة الراهنة وأن الأوضاع الاقتصادية العربية الصعبة ستدفع المجتمعات بعد اقل من 4 أعوام إلى نبذ «الإخوان»، فيسهل آنذاك تركيب أنظمة أكثر قدرة على ضمان المصالح الأميركية وحماية إسرائيل.
لم يتردد رون ليشيم في افتتاحيته في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في القول، في 13 كانون الثاني الماضي، «إن المصريين سيصوتون للإخوان لأنه لا يوجد أي حزب آخر قادر على أن يحمل لهم التغيير السريع الذي تريده الجماهير، وأن هذا السيناريو سيمتد إلى باقي الشرق الأوسط، وأن ديانة سياسية راديكالية ستهيمن قريباً على الشرق الأوسط».
أميركا مضطرة للتحالف مع «الإخوان» ولكنها تخشاهم. يذكر الأميركيون جيدا تصريح محمد بديع، مرشد «الإخوان» في مصر، حين قال في 30 ايلول 2010 «لقد سقط الاتحاد السوفياتي بصورة دراماتيكية، الا ان القوى التي ستدفع لانهيار الولايات المتحدة اكثر قوة من تلك التي دفعت لسقوط الاتحاد السوفياتي. ان الامم التي لا تقدِّر الاخلاق ولا القيم الانسانية يجب الا تقود البشرية». من الصعب تصور «الاخوان» هادئين لو ارتكبت اسرائيل حماقة عسكرية جديدة ضد الفلسطينيين او غيرهم.
كسر حواجز الهيمنة الجديدة
لو سلمنا جدلا بأن الغرب، بقيادة أميركا، يريد خيرات العرب من نفط وغذاء وثروة حيوانية وزراعية.
ولو سلمنا أيضا بأن الغرب يريد الحفاظ على مصالحه وأن إسرائيل تشكل الجزء الأهم لهذه المصالح لكونها القاعدة العسكرية المتقدمة.
إذن يمكن القول إن الهدف الأول والأخير تبقى إيران نظراً لدورها في توثيق عرى الخط المواجه. لا بد إذا من كسر هيبتها وإضعاف هيمنتها، او القبول بصفقة كبيرة معها. وسوريا في هذا المجال تبدو الآن الحلقة الأضعف. من الصعب التفكير بهدوء أوضاعها إلا في حالتين، فإما أن تقبل بصفقة سياسية مجحفة، أو أن تلجأ إلى عملية عسكرية واسعة وحاسمة ما لم توصل خطوات الاصلاح إلى انفراج.
لم يكن مفاجئا إذا أن ينبري ثلاثة من غلاة المدافعين عن إسرائيل في الكونغرس الأميركي اليانا روس ليهتينين، وآليوت انغل، وجو ليبرمان الى دفع الرئيس باراك اوباما لإعلان حكم الأسد فاقداً للشرعية. وقبل هؤلاء كان مجلس الديموقراطية في لوس انجلس يؤكد دعمه لقناة «بردى» التلفزيونية المعارضة. وكانت برقية مؤرخة في نيسان 2009 وصادرة عن السفارة الأميركية في دمشق تقول «إن مجلس الديموقراطية تلقى 6،3 ملايين دولار من الخارجية الأميركية لإدارة البرنامج المتعلق بسوريا». هذه المخصصات كانت وصلت إلى 12 مليون دولار عام 2010، فما هو هدفها؟ لقد أكدت وثائق «ويكيليكس» أن هذه الأموال تدار من قبل الخارجية الأميركية لإضعاف النظام السوري.
قد يبدو هذا الكلام للبعض بمثابة القول بأن ما يحصل في سوريا هو فعل «مؤامرة» فقط. العكس هو الصحيح. إن حركة الشارع هي التي عززت عند البعض احتمالات نجاح خطة إضعاف النظام السوري حتى شل قدراته الخارجية. لو لم تحصل انتفاضة في سوريا لكانت الأنظار ستتوجه إلى قوة عربية مستعادة تقوم على تحالف سوري- مصري. ولو أضيف لها قوى المقاومة عبر «حزب الله» و«حماس» والتيار الإسلامي في الاردن لربما احدث ذلك قلقاً فعلياً على إسرائيل وعلى المشروع الاميركي والغربي الجديد في المنطقة.
يكفي ان نلاحظ ان 4 عمليات تفجير انابيب للغاز المصري الذاهب الى اسرائيل قد حصلت مؤخرا. اسرائيل تستورد من مصر 46 في المئة من حاجاتها الغازية، وهذا الغاز يوفر لها 40 في المئة من حاجاتها الكهربائية بأسعار مخفضة. الآن يقوم جدل كبير في مصر حول هذه المسألة. يجري كلام مقلق في اسرائيل منذ القرار المصري بفتح معبر رفح. يتنامى القلق ايضا منذ قال وزير الخارجية السابق (الامين العام الحالي لجامعة الدول العربية) نبيل العربي بضرورة التقارب مع إيران. فكيف لو ان سوريا بقيت من دون انتفاضة؟
اُبعد نبيل العربي عن وزارة الخارجية، جيء بالوزير محمد العرابي الذي كان دبلوماسيا في سفارة بلاده في تل أبيب، وقبل أن يصبح وزيرا سابقا، تراجع الكلام عن التقارب مع إيران. تم الإعلان عن ضم الأردن والمملكة المغربية إلى مجلس التعاون الخليجي. أعطيت قطر مركز الصدارة في الدبلوماسية العربية وسط غموض المستقبل السعودي. ضبطت سريعا اوضاع البحرين. حصل تدخل اميركي هائل في اليمن المهدد للسعودية والخليج لو ساءت أوضاعه أكثر. لا بد من الحفاظ على استقرار الخليج، مصدر الثروة النفطية والمبالغ المالية الهائلة والنفوذ الأميركي. وبين هذا وذاك بدأت عملية الاستيلاء على أموال الرؤساء المخلوعين، ومعظمها في مصارف أجنبية وتقدر بأكثر من 200 مليار دولار.
الثورات العربية مهمة، لا بل انها الحدث الأهم في تاريخنا الحديث بعد الانتصار على إسرائيل في لبنان وهزيمة أميركا في العراق. فهذه الثورات فتحت آفاقا هائلة أمام الشباب العربي، وأسقطت أنظمة شمولية متعفنة في التاريخ والقمع، وتهدد أنظمة شمولية أخرى بالسقوط ما لم تبادر إلى تلقف الشارع بسرعة وتلبية كل مطالبه.
ولكن السؤال الأهم الآن: هل ان العرب هم المستفيدون فعلا من ثوراتهم. ألم يقل الثائر الأرجنتيني الشهير في كوبا تشي غيفارا إن «الثورة يطلقها مغامر، ويقودها بطل، ويستغلها انتهازي»؟

(نقلاُ عن صحيفة "السفير" – بيروت)-تاريخ العدد 23/07/2011


اخبار مصر
اخبار العالم
انجازات مبارك
اخبار الفن
اخبار الرياضه
حوادث
تكنولوجيا
اسلاميات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق