الثلاثاء، 21 يونيو، 2011

'المعارضة' في الجزائر من الثورة الى الثروه

مرت 20 سنة على الانفتاح الديمقراطي في الجزائر إثر حوادث الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) 1988. فأنهت عهد الحزب الواحد، وفتحت مرحلة جديدة تميزت بالتعددية السياسية، والنقابية، والإعلامية، وحرية الاجتماع والتظاهر، وإنشاء الجمعيات. لقد عاش الجزائريون فيها فترة من الحرية الكاملة، مارسوا النقد إلى أبعد الحدود، وأبدوا الرأي في كل المجالات، وناقشوا كل القضايا بدون تردد... أما اليوم تعيش البلاد انسدادا، فالمؤسسات السياسية مشلولة، والمعارضة على الهامش... هذا الوضع دفع كثير من الناس للتساؤل عن أسباب ذلك وعن الأفاق المستقبلية. وللإجابة نحاول استعراض علاقة المعارضة بالسلطة في تاريخ الجزائر المعاصر. بن بلة وإشكالية الزعامة: في عهد أحمد بن بلة الرئيس الأول للجزائر (1962/1965)، كانت هناك صحافة جبهة التحرير، والصحيفة اليسارية 'الجزائر الجمهورية' مفتوحة لكل السياسيين، عسكر ومدنيين من رجال الثورة، ومواطنين عاديين، يمارسون حرية التعبير، دون خوف، فتاريخهم النضالي أعطاهم وزنا في معارضة السلطة. فالبلاد يطبعها توازن القوة بين الجهات والعصب، ومنعتها سمعتها الثورية، في تلك الفترة، من غلق الحياة السياسية. وحسب بعض الكتابات التاريخية أن الخلافات بين قادة الثورة قبل الاستقلال أو بعده كانت خلافات شخصية أكثر منها آيديولوجية. لقد كان من بين أهم مبادئ الثورة هي وحدة الصف، لذا كانت قاسية ولم ترحم من عارضها، فضحت برجال من مختلف المستويات، عسكر ومدنيين، ورجال فكر مثل إعدام الصحافي سعيد الزاهري (1956) صاحب جريدة 'المغرب العربي' بأمر من عبّان رمضان أحد القادة الكبار للثورة، المنظر لمبدأ العنف الثوري، والذي راح ضحيته هو أيضا في 1957 على يد رفيقه عبد الحفيظ بوصوف مؤسس جهاز استعلامات الثورة. ونفس الشيء وقع للعقيد محمد لعموري (1958) و قادة آخرين بتهمة الخروج عن مبادئ الثورة. وبعد تحرر الجزائر ظهرت خلافات زعماء الثورة إلى العلن بعدما كان يتم إخمادها داخليا، سواء بالتراضي أو بالتصفية الجسدية. وكانت المعارضة أثناء حكم بن بلة القصير مشكلة أساسا من شخصيات مثل حسين آيت أحمد الذي دخل في معارضة مسلحة بعد ما أسس حزب جبهة القوى الاشتراكية في 1963، والذي كان حزبا وطنيا قبل أن ينحصر في منطقة القبائل. ولقد غادر الجزائر بعد فراره من السجن عام 1966، وقد تكون السلطة ساعدته في ذلك للتخلص منه نظرا لما يتمتع به من شعبية في منطقته. أما العقيد كريم بلقاسم، أحد موقعي اتفاقيات إيفيان، فقد أغتيل سنة 1970 بألمانيا بعد دخوله في المعارضة منذ اللحظة الأولى لاستقلال البلاد، ومازال لم يكشف عن قاتله إلى اليوم. وقُتل محمد خيضر أحد التسعة مؤسسي جبهة التحرير وأمينها العام بعد إعلان الاستقلال، في مدريد سنة 1967، في ظروف غامضة. وقد انظم للمعارضة بعد ما دخل في خلاف مع بن بلة سنة 1964، فأخذ أموال الحزب واستقر في الخارج محاولا ربط علاقة بأطياف المعارضة الأخرى بعد ما كان له دور في إقصائها .أما محمد بوضياف الذي عارض رفاقه في السلاح منذ اللحظة الأولى للاستقلال فأسس حزب الثورة الاشتراكية، لكنه ألقي عليه القبض في 1963 ليحكم عليه بالإعدام بعد سنة من ذلك، فغادر على إثرها الوطن ليستقر بالمنفى بين فرنسا والمغرب ممارسا المعارضة من بعيد، وظل مغيبًا من الذاكرة الشعبية لغاية استقدامه لرئاسة الدولة في 1991، لينتهي مصيره مغتالا ستة أشهر بعد ذلك. أما الشاب العقيد محمد شعباني فقام بتمرد مسلح مطالبا باقتسام عادل للثروات بعد اتهامه للسلطة بتهميش منطقة الصحراء لكنه ألقي عليه القبض وتم إعدامه في 1964 بعد أن حكمت عليه محكمة عسكرية بذلك والتي ترأسها هواري بومدين الذي كان وزير الدفاع آنذاك. هذا الأخير سيزيح بن بلة من السلطة سنة بعد ذلك، بعد ما لاحظ عليه نزوعه نحو التفرد بالسلطة، وإلغاء عمل المؤسسات، وإنشاء المليشيات والسيطرة على الحزب، وبمحاولة فرض نفسه كزعيم بطرق شعبوية إلى حد تقليد ماوتسي تونغ في لباسه. ويبدو أن بن بلة كان عفويا في تصرفاته، فهو إنسان ثوري بعيد من أن يكون سياسيا محنكا؛ زيَّن له تيار يساري سياسته، فقضى على مستقبله السياسي بمحاولته إزاحة من أوصلوه إلى السلطة من قادة الجيش، خاصة وأن بومدين وزيره للدفاع، كانت تتوفر فيه عناصر الزعامة منذ أن عيِّن قائد هيئة أركان جيش التحرير في 1959. ويلاحظ على هذه الفترة غياب الرأي العام نظرا لما أحدثته ظروف الثورة، ومحاربة الاستعمار، ونشوة استرجاع الاستقلال. فالتركيبة السوسيولجية للمجتمع الجزائري، والانقلاب الاجتماعي والفكري الذي حدث سنوات الستينيات الأولى، منعا تشكيل أي نوع من المعارضة خارج إطار الشخصيات التاريخية. بومدين: لا للمعارضة ازداد وضع المعارضة تعقيدا بعد وصول بومدين إلى الحكم في حزيران (يونيو) 1965 إثر انقلاب عسكري. فلم يصادف بومدين أي صعوبة في تثبيت سلطته، حيث قام بغلق الحياة السياسية، ولم يسمح بأي نوع من المعارضة، وأبقى بن بلة مسجونا دون أي محاكمة 15 سنة إلى غاية إطلاق سراحه مع بداية حكم الشاذلي. لقد كان بومدين يعتمد على ربح الوقت أثناء تسييره للدولة، فكان لا يقدم على إجراء دون تأكده من نجاحه، فبقي مسيطرا على الجيش والحزب، كوزير للدفاع وأمين عام لجبهة التحرير، لكي لا تتكرر تجربة 1963 بين محمد خيضر وأحمد بن بلة. وبعد سنتين من ذلك اتهم العقيد الطاهر الزبيري قائد هيئة الأركان رفيقه بومدين بالتفرد بالسلطة مثل ما كان يفعل بن بلة، فقاد ضده محاولة انقلابية عام 1967 لكنه فشل وهرب من الجزائر. ولقد سيَّر بومدين البلاد بمجلس ثوري إلى غاية وفاته، والذي لم يبق فيه إلاّ بوتفليقة مما يعرف بجماعة وجدة. ومن المؤسسين التاريخيين للجبهة لم يبق مع بومدين سوى رابح بيطاط كرئيس للمجلس الشعبي الوطني. وفي السبعينيات اجتاحت الموجة اليسارية أغلب دول العالم الثالث، والجزائر لم تكن استثناء، إذ برز فيها حزب الطليعة الاشتراكية الذي ساند اختيارات نظام بومدين الاقتصادية، كمشروع الثورة الزراعية والتوجه الاشتراكي للنظام، غير أنه عارضه آخرون مثل الشيخ عبد اللطيف سلطاني حيث أصدر كتاب معنون ب'المزدكية في الإسلام' مما أدى به إلى السجن مرات. ونفس الشيء وقع لمحفوظ نحناح في 1976 أثناء مناقشة الميثاق الوطني. و قد عارض هذا الاختيار في بيان لهم، كل من : فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة الأولى (1958)، وبن يوسف بن خدة رئيس الحكومة المؤقتة الثانية (1961)، وحسين لحول أحد قادة حزب الشعب في الأربعينيات وممثل الثورة في الخارج، وخير الدين أحد المقربين من جمعية العلماء وممثل الثورة في المغرب. فرد نظام بومدين على ذلك بأن صادر أملاكهم. بينما ساندهم قايد أحمد المعروف بسي سليمان الأمين العام لحزب جبهة التحرير وأحد رفاق بومدين، فدخل في المعارضة، واستقر بالمغرب إلى أن توفي بعد سنتين من ذلك (1978). ولعل من أخطاء بومدين أنه حاول بناء دولة وطنية قوية، لكن ليس على أساس مؤسسات ديمقراطية حقيقية، رغم أنه ظلّ يكرر : 'الرجال والحكومات تمضي، والمؤسسات تبقى'. ولقد إنتهت هذه المرحلة بعقد مؤتمر جبهة التحرير في 27 كانون الثاني (يناير) 1979، الذي عين العقيد الشاذلي خلفا لبومدين بعد ما فرضه الجيش كأقدم ضابط وصاحب أعلى رتبة فيه لتبدأ مرحلة جديدة يسميها البعض مرحلة الانفتاح. الشاذلي بين الإسلاميين واللائكيين : بدأ الشاذلي حكمه بمواجهة المعارضة من الحركة البربرية التي أشعلت أحداث تيزي وزو سنة 1980، في انتفاضة شبابية ضد مؤسسات الدولة، بعدما رفضت إدارة الحرم الجامعي للكاتب مولود معمري الترخيص له بتقديم محاضرة. وكان من رموز هذه المعارضة فرحات مهني، وسعيد سعدي، ومقران آيت العربي... والواضح أنها معارضة جهوية ساهمت في ظهور أول جمعيات حقوق الإنسان ما بين 1983 و1985. ويعتبر المحامي الأستاذ علي يحيى عبد النور رمزا للإستقلالية والثبات على مبدأ الدفاع عن حقوق الإنسان، والذي دخل السجن مع أغلب أعضاء الحركة بعد محاكمتهم بمحكمة أمن الدولة. أمّا الإسلاميون فقد بدأوا نضالهم السياسي في الجزائر مع إضرابات الطلبة في الجامعات سنة 1980، ويبدو أن السلطة تغاضت عن نشاطهم داخل المؤسسات التربوية ما داموا يناهضون التيار اليساري؛ بالإضافة إلى ذلك هناك جناح متعاطف مع الحركة الإسلامية في نظام الشاذلي. فلم يكن للحركة الإسلامية المصرية النشأة أي صدى في الجزائر قبل الثمانينيات، ماعدا احتجاج جمعية القيم التي أسست في 1963، على إعدام السيد قطب في مصر، فقامت الحكومة الجزائرية بحلها في 1966. وظلت البلاد بعيدة عن مخلفات صدام الإخوان المسلمين مع ثورة 23 يوليو في الخمسينيات والستينيات، رغم ما يذكر من أن محمد خيضر كانت له علاقات مع القيادات الإخوانية. لكن كان هناك تيار فكري نخبوي في الستينيات أسسه مالك بن نبي تركز في العاصمة بين ثانوية بن عكنون والجامعة المركزية والذي افتتح بها مسجدا عام 1965، والمنتسبون لهذا التيار لا يمكن وصفهم بالإسلاميين إذا حصرنا مفهوم 'الإسلامي' بالمناضل المطالب بتطبيق الشريعة. لكن مع انتصار الثورة الإسلامية على نظام الشاه بإيران ووصول الخميني للسلطة، بدأ الإسلاميون يطمحون في إحداث التغيير ببلدانهم، بعد تحضير الشعب لذلك، خاصة وأنهم يرفضون النظم الاشتراكية، ويؤمنون باقتصاد السوق، وبنمط اجتماعي محدد. وكان العالم العربي والإسلامي يعيش في هذه المرحلة أحداثا شتى، أهمها بداية الحرب العراقية الإيرانية، وارتفاع أسعار البترول، والغزو الإسرائيلي للبنان 1982، والتدخل السوفييتي في أفغانستان، والذي قابله التدخل الأمريكي بتدريب مجموعة من الكوادر (مهندسين وغير ذلك) في مراكز دعم المقاومة الأفغانية في باكستان بتمويل عربي. وبرزت المعارضة الإسلامية في اجتماع الجامعة المركزية عام 1982 الذي حضره نشطاء إسلاميون على رأسهم عباسي مدني، وعلي بلحاج، ومحفوظ نحناح، والشيخ أحمد سحنون، احتجاجا على غلق مسجدها. لكن تم اعتقالهم وسجنوا بمدينة البرواقية بأمر من محكمة أمن الدولة. والأكيد أنه لم يكن لهم في هذه الفترة امتداد شعبي. لكن مع مرور السنين أخذت الدولة على عاتقها أسلمة القوانين، وأصبحت ملتقيات الفكر الإسلامي مفتوحة للجميع وبرعاية رئاسة الجمهورية. وفتحت جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، والشاذلي هو من استقدم الشيخ محمد الغزالي للتدريس بها. وقد برزت راديكالية الإسلاميين مع مجموعة مصطفى بويعلي المسلحة سنة 1986 بعد ما قامت بتحدي الدولة، لكن قضي عليها في المهد لأنها كانت مخترقة من قبل السلطة. الانفتاح بين الإصلاح والمناورة: من المؤكد أن المعارضة الوحيدة التي ظلت قائمة داخليا وبسرية هي حزب الطليعة الإشتراكية الذي يتخندق مناضلوه، كقوة مهيكلة على جميع المستويات، في الإعلام، والإدارة، والجامعة، والنقابات. لكن بعد الإنفتاح السياسي (1988) ظهر أنه حزب نخبوي ليس له عمق شعبي. ويمكننا القول بأن النظام في هذه الفترة كان قويا، فأحكم سيطرته على الوضع، فعاشت الجزائر استقرارا مميزا رغم ما جرى من انتفاضات شعبية في بعض مدن الشرق الجزائري سنتي 1985 و1986. وهذه الحوادث لم تكن ذات بعد وطني مثل تلك التي تفجرت في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) 1988. حوادث انطلقت من أحياء العاصمة لتتحول إلى انتفاضة شعبية في كامل البلاد، حرَّكها جناح في السلطة في ظروف اقتصادية واجتماعية مؤاتية واحتقان ظاهر. والدليل على ذلك ما وقع في بعض المناطق الداخلية كمدينة البرواقية حيث حضرت مجموعة مُلثَّمة على متن سيارة في يوم أربعاء -موعد السوق الأسبوعي- فقاموا بإشعال عجلات مطاطية لينطلق الشغب والتخريب. وقد سبقت هذه الحوادث بيوم إضراب في المنطقة الصناعية بالرويبة شرق العاصمة. ولم يكن للإسلاميين أي دور في هذه الحوادث، ففاجأتهم مثل الكثير من الفئات الاجتماعية الأخرى. لقد كانوا ينشطون في المجال الدعوي ولكن غير مؤطرين سياسيا، عدا بعض أجنحة الحركة الإسلامية المتمركزة في الجامعات أو تيار الهجرة والتكفير. فالنظام لم يترك فرصة لأي حساسية خارج الحزب الواحد الذي تجتمع فيه تيارات إيديولوجية متباينة. إن هذه الحوادث التي توفي فيها مئات الأشخاص، يفوق عددهم أكثر من 400 قتيل عند البعض، أثرت ايجابيا على الجزائر بتكسيرها الجمود الذي فرضه الحزب الواحد على المجتمع، الذي لم يساير تطور هذا الأخير. فلقد اضطرت السلطة إلى إعلان انفتاح سياسي بتغيير الدستور في 1989 الذي سمح بالتعددية الحزبية. فعينت حكومة جديدة برئاسة قاصدي مرباح في تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 لكنه أقيل سنة بعد أيلول (سبتمبر) 1989 إثر خلافه مع الشاذلي ومحيطه، فدخل في المعارضة وأسس حزبه 'مجد'. هذا الرجل يراه الكثيرون أنه أكثر الناس اطلاعا على أسرار الجزائر، بحكم أنه كان مديراً لجهاز الأمن العسكري في عهد بومدين، انتهى مغتالا في آب (اغسطس) 1993. ويبدو أن سلطات تلك الفترة كانت صادقة في نواياها الإصلاحية. لكن هذه الإصلاحات لم تأت وفق برنامج واضح ومحدد مسبق، تشارك فيه جميع القوى السياسية والاجتماعية، بل فرضته مستجدات الأحداث. لقد سُرِع في تشكيل الأحزاب دون بعث حوار حقيقي وناضج لإبرام عقد اجتماعي، وتأسيس لديمقراطية سليمة، يجد كل واحد فيها مكانه دون إقصاء الأخر مهما كان حجمه، والمبادئ التي يؤمن بها. من أحادية إلى أخرى: كان الإسلاميون ينعتون معارضيهم بالفرانكفونيين، والشيوعيين، وبدعاة البربرية، وباللائكيين. وسيطرتهم على المساجد أعطتهم قوة في الدعاية ضد خصومهم، وضد السلطة؛ فاتهموا جبهة التحرير بالانحراف عن المبادئ التي انطلقت من أجلها الثورة، مركزين على بيان أول نوفمبر في بنده القائل: 'دولة ديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية' ويبقى هذا البند فضفاضا في دلالته، وحمال أوجه كل واحد يفسره حسب هواه. وهذا ما يظهر أن مرجعية الإسلاميين هي الثورة التحررية أي استمرار الشرعية التاريخية، وليس التأسيس لشرعية دستورية. وقد رفع بعض الإسلاميين شعار: 'لا ميثاق لا دستور قال الله قال الرسول' وأعلنوا نيتهم تغيير الدستور، وذلك لإنشاء الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة، بعد إلغاء كل القوانين والمظاهر التي لها صلة بالحياة الغربية، وحظر الأحزاب غير الاسلامية. هؤلاء الذين يسميهم أنور هدام بالمجموعات الهامشية لم يتم إبعادهم ولا التنديد بهم لأنهم صالحون في المعركة الانتخابية. إن الجبهة الإسلامية كانت حركة شعبية طالبت بالتغيير، جرفت في طريقها كثيراً من الناقمين على الوضع، لكن قيادتها لم تكن في مستوى التحديات، وتركزت في يد شخصين: عباسي مدني المعروف بالتصلب في الرأي، والشاب علي بلحاج بثوريته الزائدة، فهو رجل دعوي وليس رجل سياسة كما قال عنه رابح كبير في حصة زيارة خاصة لقناة 'الجزيرة' يوم 6 تموز (يوليو) الماضي، حيث اعترف أن مبدأ المغالبة جلب مصائب للبلاد. إن هذه القيادة (الجبهة الإسلامية) نحت منذ البداية نحو المعارضة الراديكالية، بعد ما كانت تظن نفسها أنها قاب قوسين أو أدنى من الحكم، بالرغم من أنها كانت تتوفر على شخصيات معتدلة، إذ تم إسكات كل من حاول التنبيه إلى خطر الرأي المتصلب، مثل السيد أحمد مراني، والسيد بشير فقيه بحجة العمالة للنظام. وعندما تولى عبد القادر حشاني قيادة الحزب في مؤتمر باتنة عام 1991 بدأت حدة خطاب الجبهة في تراجع نوعا ما، لكنه لم ينخفض إلى مستوى الاعتدال الذي كانت عليه الأحزاب الإسلامية الأخرى. إن هذا الانفتاح الذي عرفته البلاد أسس لمرحلة جديدة قاعدتها الفعل ورد الفعل في طبيعة العلاقة بين الأحزاب، وما بين السلطة والمعارضة، وخاصة بين الإسلاميين ومعارضيهم من جهة، وما بينهم وبين السلطة من جهة ثانية. فمارس الكثيرون العنف اللفظي، وتطرف الجميع إلا من رحم ربي، ربما بدون وعي، لأن المجتمع الذي تربى على الأحادية لعقود ليس سهلاً عليه أن يهضم التعددية، ويفرغ الكبت السياسي الذي دام 26 سنة، في أسابيع وشهور، بعد السجون، والتعذيب، والمنع، والحرمان، والظلم. ففي رأينا أن قصر المرحلة الانتقالية لم يسمح بتطور الأحزاب وقياداتها، مما جعلها تغرق في ردود الأفعال دون أن تطرح برامج مفصلة للانتقال من الأحادية إلى التعددية. لقد كان همّ المعارضة الأول وخاصة الجبهة الإسلامية التي ترى في نفسها المعارضة الوحيدة، هو الوصول إلى السلطة وأخذ مكان النظام لأنها كانت تنظر له بأنه في حالة احتضار، لذا كانت تستعجل محاسبته، أو حسبت أنه سيسلمها السلطة على طبق من ذهب. لقد أرادت الانتقال بالجزائر من أحادية الفكر الوطني لجبهة التحرير إلى فرض أحادية أخرى باسم الإسلام تحت شعار الإصلاح. فالإصلاح لن يتم إذا ذهب زيد وجاء عمر، ولا بالانتخاب، إن لم تكن هناك حرية فكرية واحترام للقانون. إذن كل المؤشرات كانت توحي بأن النهاية لن تكون سليمة لأن كل طرف كان يريد أن يلغي الآخر إلى أن وقع الصدام في 1991. فلهذا يمكننا القول أن قيادة الجبهة الإسلامية تتحمل مثلها مثل السلطة مسؤولية الأزمة التي عاشتها الجزائر. مسعود ديلمي كاتب جزائري مقيم في باريس
محب للمغرب العربي
إلى كل جزائري غيور على وطنه أدعوه لقراءة كتاب “الحرب القذرة la guerre salle” للحبيب السويدة وهو مظلي سابق بالقوات الجزائرية الخاصة .. في هذا الكتاب تجدون شهادات مرعبة لضابط عاش يوما بيوم تلك الحرب القذرة التي مزقت الجزائر منذ 1992 ولازالت إلى حدود اليوم، يروي ما رآه من تعذيب وإعدامات عرفية وتلاعبات واغتيال المدنيين رافعا الغطاء على أكثر المحرمات في المأساة الجزائرية التي حرصت السلطات الحاكمة على ألا يقترب أحدا منها ويُعنى بها آلة الجيش الجزائري من الداخل.
كما يكشف وقاحة الجنرالات بتقديمهم الخاطئ لعوقب ما يجري،يكشف دمويتهم وآلة حشوالأدمغة التي يُخضعون لها جنودهم- قبل شعبهم- كما يُسلط الضوء على يأس الجنود المُكرهين على القيام بأعمال بربرية وعلى ما يفتك بهم من مخدرات و عمليات تطهير داخلية.





إحالة نجيب ساويرس لنيابة الأموال العامة بتهم الإستيلاء على المال العام






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق