الجمعة، 24 يونيو، 2011

المغرب...حوامل يحكين مشاهد مرعبة داخل قاعة الولادة

الصفحه الرئيسيه

مشاهد مرعبة تلك التي تحكيها نساء خرجن من قاعة الولادة بمستشفى محمد الخامس، أو اللواتي مضت على ولادتهن مدة غير بعيدة. فلا حديث داخل هذه القاعة إلا عن «الفلوس».

إذ بات المال المنقذ الوحيد للسيدات المقبلات على الوضع. «القابلات» العاملات داخل هذا المستشفى لا يتحدثن عن شيء آخر سوى المال، أو كما عبرت عن ذلك إحدى السيدات بعبارة «شحال عندك فالبزطام؟».
تختلف المشاهد داخل قاعة الولادة مع خارجها، حيث القسوة والرشوة تبدوان واضحتين في معاملة «القابلات» والممرضات للنساء الحوامل، بينما تتوفر أعصاب أهالي وأمهات المريضات وهم جالسون في طابور الانتظار، ينتظرون خبرا يتسرب من خارج قاعة الولادة يبشرهم بالمولود الجديد.
الساعة تشير إلى الرابعة مساء.خارج قاعة الولادة بمستشفى محمد الخامس تنتظر إحدى الأمهات أن يأتيها أحدهم بخبر عن ابنتها، التي مر أزيد من ثلاث ساعات على دخولها القاعة.
غير أن تقديم خبر أو معلومة من داخل مصلحة الولادة لا يكون بدون مقابل، فلا حديث داخل هذه المصلحة إلا عن المقابل المادي إذا أرادت أمهات الحوامل الاطمئنان على بناتهن.
تركز الأم عينيها على الباب المؤدي إلى قاعة الولادة، فتجد إحدى «القابلات» تقف على مقربة من الباب. حاولت الأم الاقتراب منها، لكنها تعلم جيدا أن طلبها يحتاج إلى مقابل مادي، وهي لا تتوفر على نقود كافية لتسليمها إلى المولدة، فتزداد حدة قلقلها وتوترها وخوفها على ابنتها.
هذا المشهد يتكرر كل يوم وكل ساعة داخل هذا الجناح الذي مازال يفتقر إلى البنية التحتية الأساسية التي تجعل الحامل تلد في ظروف صحية وطبيعية.
تحكي سيدات، حديثات الولادة، عن مشاهد وصفنها بـ«المرعبة» تقع داخل قاعة الولادة، فالمولدات لا يقفن عند حدود الكلام القبيح، بل يتجاوز ذلك إلى التعنيف، مستغلات وضعية الحامل التي تكون على مشارف الوضع.
«شحال عندك فالبزطام؟» عبارة أصبحت تتردد كثيرا على لسان بعض «القابلات»، وفق ما تؤكده إحدى السيدات التي كادت تفقد جنينها أثناء الولادة بسبب الإهمال. تقول هذه السيدة لـ«المساء» إنها قضت يومين كاملين داخل قاعة الولادة، ولم تكترث بحالها أي ممرضة. وتضيف «كدت أفقد جنيني بعد مرور يومين وأنا داخل قاعة الولادة، ولا أحد سأل عني ولا عن الجنين الذي كان ما يزال في بطني». صمتت الأم قليلا قبل أن تستطرد والدموع تنهمر من عينيها «صدمت مرتين داخل هذا المستشفى. الأولى، عندما وطئت قدماي جناح الولادة، بسبب المشاهد المؤلمة التي رأيتها. والثانية، أثناء الوضع عندما قامت إحدى القابلات بتعنيفي وأنا أصرخ بسبب ألم الولادة».
وتروي سيدة أخرى أن «القابلات»، اللواتي كن يلازمنها داخل قاعة الولادة، قدمن لها إسعافات عبارة عن إبر لتسهيل عملية الولادة. تقول هذه المرأة: «لقد غادروا فجأة القاعة وتركوني لمدة نصف ساعة وأنا ألد لوحدي، وفي الوقت الذي أحسست بأن الجنين بدأ يخرج بدأت بالصراخ، ولم يسمعني أحد، ولما عادت «القابلات» كان الجنين قد توقف عن الحركة. حينها أخبرنني بأنه مات».

القسوة و الرشوة

عند باب قاعة الولادة، تقف ممرضة ببذلة خضراء، تترقب بنظراتها. تسأل إحدى العائلات عن بنتها اللتي تلدن بالداخل، لتنقل لها الأخبار وتحصل على المقابل. طابور الانتظار تفور فيه أعصاب أهالي المريضات وهم ينتظرون خبرا كيفما كان. وسط هذا التوتر والقلق الذي يعم جناح الولادة وقفت امرأة لتسأل عن ابنتها، فكان جواب الممرضة عبارة عن حركة باليد تشير إلى ضرورة دفع مقابل إن أرادت الحصول على خبر.
دفعت المرأة المقابل الذي طلبته الممرضة أمام الملأ، و بعد مرور دقائق قليلة خرجت الممرضة تحمل خبرا آخر ليس ذلك الذي كانت تترقبه، قالت لها: «قالتلك القابلة تهلاي فيها باش تولد بنتك مزيان». لم يكن بوسع المرأة سوى القبول بعرض «القابلة» خوفا على ابنتها، فقدمت لها مبلغ 400 درهم. تختلف المشاهد داخل قاعة الولادة عن خارجها، حيث القسوة والرشوة تبدوان واضحتين في معاملة «القابلات» والممرضات للنساء الحوامل اللواتي ينتظرن دورهن على طاولات الولادة.
هنا في هذه القاعة بالضبط، تتكرر مشاهد متشابهة على مدار الساعة: صراخ، وفاة، رشوة، سب وشتم واحتقار، وغيرها.
مشهد واحد بقي مترسخا في ذهن امرأة أثناء ولادتها وحكته لـ«المساء». قالت: «كنت أطلب الإغاثة من «القابلة»، لكنها أجابتني قائلة: شحال تعطيني باش نعتقك؟ في هذه الحالة اضطررت إلى أن أرشيها خوفا على حياتي وحياة الجنين، وقلت لها: نعطيك اللي بغيتي غير اعتقوني».
شهادة أخرى من عين المكان لامرأة تقول إنها تعرضت للإهانة والسب والمعاملة القاسية من طرف «القابلات» والممرضات إلى أن نصحتها إحدى الموظفات هناك قائلة: «دبّري على القابلة وتهلاّي فيها يكون ولدك في نص ساعة بين يديك». امتثلت المرأة لهذه النصيحة فمنحت «القابلة» مبلغ 200 درهم، وهو المبلغ الذي كانت تحمله معها، فكان لها ما أرادت.

معتقل التعذيب

هناك حالة أخرى لامرأة ظلت ثلاثة أيام مهملة بجناح الولادة، وعاينت مختلف المشاهد الدرامية التي تحصل بالداخل. وصفت هذه المرأة، في حديثها لـ«المساء»، جناح الولادة بـ«معتقل للتعذيب» وليس بمستشفى. تقول المرأة، وهي تبكي بعدما تذكرت ما رأته في قاعة التعذيب (قاعة الولادة): «أول شيء تسأل الممرضة عنه الحامل بعدما تدخل إلى قاعة الولادة هو: كم ستعطينني من المال لكي أساعدك على الولادة؟» وتضيف بأنه في حالة عدم وجود المال لدى الحامل يتم إجلاسها فوق الأرض وبدون غطاء. إنه مشهد مأساوي تعاني منه غالبية النساء اللواتي يدخلن إلى قاعة الولادة وجيوبهن فارغة.
أحيانا تظل الحامل، وفق شهادة هذه المرأة، على هذه الحالة وسط لامبالاة حقيقية إلى أن تلد بمفردها، وفي غالب الأحيان يخرج الجنين من بطن أمه ميتا بسبب الإهمال الذي تتعرض له الحامل.
«مكثت ثلاثة أيام وأنا داخل قاعة الولادة، و«القابلات» يؤكدن لي بأنني في وضعية جيدة وأن ولادتي ستكون طبيعية»، غير أن هذه الحامل كانت في حالة تستدعي القيام بعملية جراحية عاجلة لإنقاذ جنينها من الموت. وتضيف هذه المرأة «قدمت لهن ما يكفي من الرشوة من أجل أن ألقى العناية اللازمة، ورغم ذلك كن يطالبن بالمزيد مع أنهن لم يكن يقمن بواجبهن فبالأحرى الاعتناء بي».
فكرت المرأة بالهرب بسبب «المعاملة السيئة» التي كانت تلقاها من الممرضات، لكنها لم تعد تقوى على الحركة لأن وقت ولادتها كان قد حان.
ومن حسن حظ هذه المرأة أن طبيبا متخصصا في أمراض الولادة دخل فجأة إلى القاعة، وبعد أن فحصها وجدها في وضعية حرجة، وربما قد تلقى حتفها هي وجنينها في أي لحظة. تقول هذه المرأة إن الطبيب أخبر المولدات بأن نقلها إلى قاعة العمليات لم يعد ممكنا، وأن عليها أن تلد حالا، وإلا فإن الجنين سيضيع من أمه. وتضيف «لما سمعت هذا الكلام ازداد خوفي على جنيني، إلا أن المعاملة الحسنة لهذا الطبيب ساهمت في خفض حدة التوتر التي كان تنتابني في تلك اللحظة». هذا الطبيب اضطر إلى استخدام تقنيات طبية حديثة من أجل إخراج الجنين من بطنها. إنها الصدفة فقط التي أنقذت حياة هذه المرأة وحياة جنينها.

مشاهد بعد الولادة

يبدو الوضع مؤلما أكثر على وجوه النساء بعد الولادة، بسبب الإهمال وعدم العناية والاكتظاظ، أضف إلى ذلك أنه لا يحق لأي امرأة المكوث أكثر من ليلة واحدة في المستشفى، رغم سوء وضعية بعض الأمهات.
وعاينت «المساء» حالة امرأة وضعت حملها عن طريق عملية جراحية، لكن بعد العملية لم تستقر حالتها، ورغم ذلك طلب منها المسؤولون الخروج بعدما قضت يوما ونصف يوم داخل المستشفى. وتقول مصادر طبية إن هذه المدة غير كافية بالنسبة للحوامل اللواتي خضعن لعملية جراحية أثناء الولادة، مضيفة أن عليهن المكوث ثلاثة أيام بعد الولادة، لأن وضعيتهن تكون غير مستقرة، وبالتالي فإن خروجهن يبقى خطرا عليهن.
الأسرة داخل جناح الولادة تبقى غير كافية لتغطية العدد الكبير من النساء اللواتي يلدن بمستشفى محمد الخامس. ورغم الاحتجاجات التي شهدها هذا المستشفى، والتي كان المحتجون يطالبون فيها بتحسين وضعية جناح الولادة، فإن إدارة المستشفى لم تلب مطالبهم، وما تزال وضعية جناح الولادة إلى اليوم تشهد تسيبا غير مسبوق يحتاج إلى فتح تحقيق عاجل من طرف الجهات المعنية.



بنيات تحتية متهالكة وأجهزة طبية معطلة داخل المستشفى
تبدو الأوضاع داخل مستشفى محمد الخامس عصية على الفهم، فشكايات المواطنين حول تعطّل جهاز «السكانير» والمصعد وبعض الأجهزة الطبية لم تتوقف، كما أن استمرار عطلها بدأ يدخل نوعا من الريبة والشك لدى المواطنين لكون إدارة المستشفى لا تريد حل هذه الأعطاب. إذ لا يتم إصلاح جهاز «السكانير» حتى يتعطل مرة أخرى، وبالتالي يكون المواطنون مضطرين إلى دخول مصحات خاصة، ويجدون أنفسهم مرغمين على دفع أثمنة باهظة من أجل الاستفادة من خدمات هذا الجهاز.
البنية التحتية داخل المستشفى ليست أحسن حالا من أجهزتها الطبية، فجل الأماكن العمومية داخل المستشفى تعرف تدهورا رهيبا، وفي مقدمتها المراحيض التي تنبعث منها روائح تزكم الأنوف، لدرجة يصعب معها التصديق بأن النظافة تصل إلى هذه المراحيض.
الأسرّة داخل غرف المرضى أصابها التقادم، ورغم أنها مغلفة بغلاف بلاستيكي بارد، ذي لون أزرق فاتح، فإنها تبدو غير صالحة لأن ينام فوقها المريض. وكانت هناك دعوات كثيرة من أجل إيلاء عناية خاصة بغرف المرضى، إلا أن الجهات المعنية لم تقم باستبدال هذه الأسرّة.
هناك داخل المستشفى مشاهد أخرى أكثر بشاعة، فالجدران ما تزال متسخة، وروائح الأدوية المختلطة بروائح الأوساخ منتشرة في كل مكان داخل المستشفى وتصيب الزائرين بالدوار.
في الأسفل، يوجد مكان مخصص للموتى، حيث هناك ثلاجات كبيرة وهواء بارد جدا ورائحة كريهة، كما أن هناك نوافذ تطل على مكان آخر خال في الطابق الأرضي. إنه مكان شبيه بمكان للأشباح المخيفة، ووسط هذا المكان المخيف يوجد ركن مليء بالأزبال وكأنه مزبلة حقيقية تفوح منها رائحة كريهة.
وسط الممرات حيث غرف المرضى تسود أجواء تشعرك بالضجر والغمّ وتزيد هموم المريض، فالموظفون يتجولون داخل المستشفى بشكل يدعو إلى الاستغراب، بينما فضاءات الاستقبال تبدو فارغة. فلا أحد يجلس فوق مكتب الإرشادات التي تخص شؤون الاستشفاء وغيرها.
وكانت مركزيات نقابية قد دعت في أكثر من مناسبة إلى تنظيم وقفات احتجاجية بسبب سوء التدبير والتسيير داخل هذا المستشفى الذي أصبح يعج بالفوضى واللامبالاة من طرف المسؤولين.
يذكر أن مستشفى محمد الخامس رغم أنه شهد تغييرات مهمة على مستوى هرم الإدارة فإن مشاهد التسيب والفوضى ما تزال حاضرة ولم تغب في عهد الإدارة الجديدة.

المساء






إحالة نجيب ساويرس لنيابة الأموال العامة بتهم الإستيلاء على المال العام


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق