الاثنين، 6 يونيو، 2011

يسرى فودة يكتب: الماسونية (٤)الأب الروحى

كانت تبدو فى أول الأمر عملية انتحار، لولا أن كان من بين محققى الشرطة من يعلم قوانين الماسونية وألاعيبها. حين قفز إلى ذهنه احتمال أنها ربما تكون جريمة قتل،

كانت بصمات الماسونية على الجثة تفصح عن نفسها بصمة بعد بصمة، حتى تأكد له فى النهاية أنها لم تكن جريمة، أراد مرتكبها طمس معالمها، بل كانت جريمة مغلّفة فى مظروف على شكل رسالة أراد أن يبعث بها إلى كل أنحاء العالم، وقد كان له ما أراد.

وجدتُ نفسى، وقد اقتربتُ من مرحلة الاستمتاع بحل هذا اللغز، على متن طائرة فى طريقى إلى إيطاليا، أشهر بلد فى العالم التقت فيه دائرة السياسة بدائرة الدين بدائرة الفساد بدائرة المافيا بدائرة الماسونية.

إلى روما وصلت الأخبار: «مات روبرتو كالفى». اسمه لا يعنى الكثير، ولا حتى منصبه. انتماءاته وظروف موته هى التى يمكن أن تلقى ضوءًا ثميناً على ما تسمى أُخوّة البنائين الأحرار، الماسونية، فيما هو واقع وفيما يمكن أن تخلقه هى من واقع، فى إيطاليا وفى أنحاء أخرى من العالم.

كان روبرتو كالفى قبل وفاته رئيساً لأكبر مصرف أهلى فى إيطاليا، مصرف أمبروزيانو قبل تحوله إلى مصرف أمبروزيانو الجديد. وكان هذا المصرف مديناً بأكثر من مليار جنيه إسترلينى، وكان رئيسه على وشك السجن لأربع سنوات بتهمة تهريب الليرة الإيطالية. على عكس اليابانيين، فكرة الانتحار ليست متأصلة فى الشخصية الإيطالية.

فكرة القتل أكثر تأصلاً. لكن عملية قتل الماسونى، روبرتو كالفى، لم تحدث فى هدوء، ولا أريدَ لها أن تحدث فى هدوء.

عشية الثامن عشر من يونيو/عام ١٩٨٢ عُثر فجأة على جثة كالفى مشنوقاً تحت جسر «بلاكفرايرز» Blackfriars الذى يقطع نهر التيمس فى لندن. بدا الأمر لأول وهلة أمام شرطة مدينة لندن كأنه انتحار، لولا أنه لم يكن. لقد كان فى الواقع قتلاً احترافياً فى غاية المهارة، حمل كثيراً من بصمات الغضب الماسونى.

شنقوه أولاً، والشنق فى الماسونية عقوبة من يتراجع، ثم علقوا جثته أسفل الجسر فى سقّالة نصبوها إلى جوار سلم، وهو ما يرمز فى الماسونية إلى فكرة الموت.

وأثناء ذلك وضعوا فى جيوبه ما يزن اثنى عشر رطلاً من الحجارة غير المشذبة، وهو ما يرمز فى الماسونية إلى الإنسان غير المتعلم الذى مايزال يعيش فى الظلمات، ثم جعلوا جثته تتدلى من الحبل المربوط أسفل الجسر إلى مستوى من سطح النهر تصطك به المياه مرتين كل أربع وعشرين ساعة، مصداقاً لطقوس الماسونية.

أما موقع الحادث نفسه، ويعنى حرفياً «جسر الرهبان السود» فيمثل دافعاً قوياً للماسونيين الإيطاليين بوجه خاص، إذ إن الرجل الذى يعتبر واقعياً راهبهم وأباهم الروحى، جيودانو برونو، كان قد قتل حرقاً فى القرن السابع عشر.

»الطريقة التى قُتل بها كالفى حافلة بالدلالات حقاً«، يؤكد المحقق الصحفى فى جريدة لونيتا الإيطالية، فلاديميرو سيتميلّى قائلاً «فالأحجار التى وجدت فى جيوبه يمكن أن تكون لغة رمزية مافياوية. كما وُجدت فى حلته شحوم تدل على أنه نقل على ظهر مركب، وهو ما يدل على أن أحدهم عمد إلى حمله إلى الجسر ليعلق جثته أسفله.

ورغم أن التحقيقات الرسمية قالت فى البداية إنه هو الذى توجه من الفندق إلى الجسر ليعلق جثته بنفسه، فإن أحداً لا يمكن أن يجد فى ذلك أى منطق. إن الشواهد جميعها تشير إلى أن موته تم بفعل فاعل«.

نعلم اليوم أن روبرتو كالفى كان ماسونياً، وكان عضواً فى المحفل المسمى «بى دووِه P٢» ، وكانت له صلات قوية بالمافيا من خلال محافل صقلية، ومن ثم تبدأ الخيوط فى الترابط. ففى أعقاب مقتل كالفى أعلن مصرف أمبروزيانو إفلاسه، ووقع فى دائرة الشك عدد كبير من النافذين، كان من أهمهم:

- برونو تساندينى، مدير صحيفة كورييرا دى لا سيرا،

- فلافيو كاربونى، مقاول إنشاءات وصديق كالفى،

- فرانشيسكو باتزيينزا، عميل جهاز الاستخبارات الإيطالى،

- أنا بونومى فولكينى، أقوى سيدة أعمال فى ميلانو.

لكن من أثار الجدل كله رجل فى الخامسة والستين، ضخم الوجه، ذو ملامح أبوية تبث فيك الثقة لأول وهلة لكنك بعد قليل لا تستطيع مقاومة إحساس بأنها شخصية خارجة من فيلم «الأب الروحى». ذلك هو لوتشيو جيلّى ذو الوجهين.

فى محفل صغير فى باليرمو عثرت الشرطة الإيطالية على مجموعة من الوثائق تثبت انتماء عدد من القضاة والمدّعين إلى الماسونية، إلى جانب عدد من كبار زعماء المافيا. لدى القبض عليه، اعترف عضو المافيا، ليوناردو ميسينا، بأن من بين من خلقوا حركة انفصال الشمال عن الجنوب، لمصلحة منظمة المافيا «كوزا نوسترا»

كان جوليو أندريوتى ولوتشيو جيلّى. أما علاقة جيلّى بكالفى فتتلخص ببساطة فى كون كالفى عضواً فى المحفل الماسونى المسمى «بى دووِه» الذى كان جيلّى مؤلفه ورئيسه الأعظم. بأسلوب أفلام هوليوود، وضعت الشرطة جيلّى تحت الرقابة، وحين وقع وجدوا بحوزته قائمة طويلة من الأعضاء شملت ساسة وقضاة وعسكريين واقتصاديين وصحفيين وضباط استخبارات، كلهم من أصحاب النفوذ.

يعترف لنا محامى جيلّى، مايكل جينتاينو-سيلفارى، بأن موكله وكالفى كانا صديقين، وبأن جيلّى هو الذى اختاره لعضوية المحفل الماسونى مثلما اختار بنفسه بقية الأعضاء، «لكن نشاطه مع مصرف أمبروزيانو كان معروفاً، ونحن نعلم أن الأموال اختفت، وظن كثيرون أنها وصلت إلى بولندا. لكننى شخصياً لا أعتقد أن لذلك علاقة بالماسونية بقدر ما له علاقة بالسياسة الدولية«.

عندما تفجرت قضية «بى دووِه» فهم الرأى العام الإيطالى أن تلك المنظمة تشكل خطراً على الديمقراطية فى البلاد، إذ إن منظمة تضم فى ثناياها جميع رؤساء المخابرات وعشرات العشرات من الجنرالات وحفنة من أعضاء مجلسى النواب والشيوخ

وثلاثة وسبعين شخصية رئيسية فى الوزارات وستاً وخمسين هيئة صناعية من القطاع الخاص، تتظاهر فى العلن بأنها لا تعمل ضد أحد لكنها، كما يقول المحقق الصحفى فلاديميرو سيتميلّى، «كانت منظمة ضد الديمقراطية بلا شك، إذ كانت تشكل فى الواقع دولة داخل الدولة».

أمام ذلك شكل البرلمان الإيطالى لجنة للتحقيق فى علاقة الماسونية بهذه الموجة الجديدة من الفساد. فى أعماق الريف الإيطالى كان لى موعد مع أحد أهم أعضاء هذه اللجنة، سيرجيو فلامينيى،

الذى يحمل على كتفيه تاريخاً حافلاً من عضوية لجان التحقيق، إذ كان عضواً فى اللجنة البرلمانية الإيطالية لمكافحة المافيا بين عامى ثمانية وستين واثنين وسبعين، ثم عضواً فى لجنة التحقيق فى قضية آلدو مورو بين عامى تسعة وسبعين وثلاثة وثمانين قبل أن يكون عضواً فى لجنة التحقيق فى أمر الماسونية.

سار بى حوالى ثلاثمائة متر فى مزرعته الجميلة، قبل أن نصل معاً إلى قبو قبيح يحتفظ فيه بمئات التقارير الصادرة عن لجنته. «لقد تعرض النظام لمخالفات قامت بها منظمة بى دووِه من خلال سلسلة من الترتيبات تمكنها من الرقابة والتأثير عبر عمليات غير قانونية،

إذ إنها اشترت لفترة طويلة ولاءات وزراء التجارة الخارجية ووزراء المالية ووزراء الداخلية وعدد كبير من المسؤولين الذين يستطيعون التحكم فى التحويلات الخارجية لرؤوس الأموال. وكان من بين هؤلاء روبرتو كالفى الذى كان يستطيع، بحكم موقعه، القيام بمثل تلك العمليات عن طريق الاستثمار فى أمريكا الجنوبية.

وقد أسس كالفى لذلك مصرف أندينو وشبكة معقدة من المصارف شكلت قوة اقتصادية استغلتها المنظمة الماسونية. وأثناء ذلك نشبت الحرب بين بريطانيا والأرجنتين على جزر الفوكلاند، واكتشف البريطانيون حصول الجيش الأرجنتينى على صواريخ إكسورسيت. وعندما قامت لندن باستقصاء الأمر اكتشفت أن منظمة بى دووِه لعبت دوراً بارزاً فى تلك العملية عن طريق استغلال نفوذها داخل أجهزة استخبارات أجنبية وشبكات تهريب دولية».

على قمة تل فى إحدى ضواحى روما يقع المحفل الأعظم الإيطالى. كغيره من المحافل منيع، ويزيد عنها قليلاً فى ترتيبات الأمن. ينتمى هؤلاء الماسونيون الإيطاليون إلى نوع من الماسونية، يختلف شيئاً ما عن ذلك النوع الأنجلوساكسونى. الفارق الرئيس أن لمحفل الشرق الأعظم المنتشر فى فرنسا وإيطاليا دوراً أكبر وأكثر علانية فى أمور السياسة.

على بعد خطوات من المحفل يبرز تمثالاً لقائد مهيب يمتطى جواده النافر. يدعى الماسونيون أن هذا الرجل، جوزيبّى غاريبالدى، الذى وحّد إيطاليا فى واحدة من أصعب الفترات فى تاريخها، كان ماسونياً، وأن تاريخ إيطاليا الحديث صنعته الماسونية.

«كان للماسونية دور فى مراحل مختلفة من التاريخ الإيطالى»، يشير المحقق البرلمانى، سيرجيو فلامينيى، «إلى أنه عندما ظهر الخطر الفاشى انقسمت الماسونية على نفسها ووقف جانب كبير منها إلى جوار الفاشية، إلى حد أنهم رشحوا موسولينى لمنصب الرئيس الأعظم للماسونية، ومن ثم ساهموا فى صعود الديكتاتورية فى إيطاليا». لكن موسولينى كان له رأى آخر فى هذا الترشيح.
سماء الفنانين اللذين وقفو ضد ثورة التحرير قائمة ا...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق